في الحلقات الأربع السابقة تناولنا وقائع الافتتاح والعديد من الأعمال في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي الخامس عشر، هنا استكمال.
ظلال القرى
ـ "ظلال القرى" (تأليف وإعداد مفلح العدوان، إخراج عبد الكريم الجراح، الأردن). المسرح خارج المسرح. أو المسرح خارج أمكنته التقليدية: العُلبة الإيطالية أو حتى ما بعد الجدار الخامس. اتجاه يمكن إحالته على تجارب غربية كبيرة اختارت الشارع، أو الرصيف، أو الملاعب، أو المستودعات، أو المنازل، أو حتى المقهى، المسرح في أي مكان. أو مسرحة أي مكان. وهنا يمكن أن نتذكر العديد من المحاولات العربية أيضاً في هذا المجال: العراقي صلاح القصب في "حزن البلور" في منتصف الثمانينات. "مكبث" للقصب أيضاً في "مسبح"، وكذلك ماكبث في ساحة عامة. ويمكن أن نتذكر "الدالية" لعز الدين قنون في نهاية الثمانينات عندما استغل المكان بساحته وطوابقه وأدراجه والبركة في وكالة الغوري بالقاهرة. وكذلك "مسرح الطوري" (البحرين) عندما استغل أيضاً مداخل قصر الغوري (القاهرة) في منتصف التسعينات وحتى غرفه وطوابقه في عمل طقوسي جريء. ولا ننسى بعض التجارب المصرية الشبابية في هذا الاتجاه، منذ سنوات عدة في احدى الدور الأثرية في ضواحي القاهرة...
مسرح الخروج هذا من الأمكنة الخاصة، الى الأمكنة العمومية. فرقة "طقوس" المسرحية، انضمت الى هذه الظاهرة، وسبق أن قدمت في مهرجان الأردن الفائت هذا العرض في أحد أساسات بناء قيد الإنشاء في وسط العاصمة الأردنية، على ارتفاع قرابة 20 متراً. العروض تقدم في باحة الأساسات، والمتفرجون من فوق يتابعونها. (سبق أن قدمت مسرحية في عمان أيضاً في مداخل وساحة أحد الأبنية، مع استغلال السطوح والنوافذ).
هذه المرة، ولعدم القدرة على اختيار مكان مماثل (أسفل أساسات المبنى) فقد قدم العمل في ساحة دار الأوبرا الفسيحة؛ بالطبع هناك فارق: الرؤية في النسخة الأردنية السابقة كانت عمودية. العرض تحت وأنت على ارتفاع شاهق فوق. بينما الرؤية هنا أفقية أمامك وحولك وقربك، وهناك فارق بين الرؤيتين. في الأولى أنت مسيطر الى حد كبير ودفعة واحدة على حيّز العرض كله وأنت مكانك. في الثانية الرؤية المتسعة قد تشتتت، وعليك أن تتبع حركتها. (هذا ما حصل في عرض "الدالية" التونسي).
لكن هذه التجربة، على الرغم من الاختلاف عن السابقة في زوايا الأمكنة وامتداداتها، فقد منحت زخماً جديداً، وحركة جديدة، وأداء جديداً، وعلاقة جديدة بالجمهور. (هنا أكثر احتكاكاً).
لكن جوهر اللعبة في "الطبعتين" (العمانية والقاهرية) واحد: التمرد على الأمكنة المحصورة المقيّدة، الثابتة، والزحف على أمكنة أخرى. واللعبة الثانية: مسرحة الطقوس والنصوص والأسطورة، والخرافة، والتاريخ، والشعر والغناء، في مُناخ بدائي، ملحمي، عنيف، عاصف، قدري. فالعودة الى الأسطورة ـ الطقوس، هي عودة الى الينابيع، الى أشكال الذاكرة الجماعية، والحكايات والغرائبيات توظيفاً إيحائياً. أي تكثيف المناخات تكثيفاً يجعل من هذه العناصر الأسطورية والتاريخية والحكائية تتجاوز نفسها، عبر صدم الحواس وتحريك المخيلة، الى ما هو سياسي راهن. ففي العمل بحث عن مخلص هو ميشع ملك مؤاب الذيباني الذي ما زالت انتصاراته على بني إسرائيل محفورة على مسلّته، حيث تلتقي داخل العرض رموزاً أخرى هم خصومه أبرهه والفيل وهبل والحبشة، وهي تتواءم لتبلور الصراع مع الآخر. كأنما هي كلها استحضار لتواريخ وحكايات وأساطير وحقائق سابقة، لاستنهاض الواقع، أو لإعادة انتاجه. نقصد الواقع العربي "المستنفر" أمام خصومه لا سيما إسرائيل. فهي إذاً رسالة غير مباشرة توجه الى الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لكن بلغة الطقوس والإشارات والحكاية والأسطورة. رسالة من الماضي الى الحاضر. من "الأموات" الى من تبقى من الأحياء.
المخرج الذي اختار نصوصاً مشبعة بالمخيلة والشعر (وبعض المباشرة) عرف كيف يقدم مسرح صورة متفجرة، عنيفة، متحركة، وشخصيات "ملحمية" على مساحة مكانية حية، وخصبة، تستثير الحاسة تلو الحاسة، واللاوعي والوعي، والتخييل، والمشاعر بعناصر عديدة: النيران، المشاعل، الحرائق، العنف، القتل، الأقفاص، الحبال، الشرائط، إضافة الى الشعر والطقوس.
لكن "الى هذه العناصر المرئية ـ السمعية، الصورية، يبدو أن البؤرة الدرامية قد ضعفت أو الأحرى تجميع هذه العناصر كلها في بنية أو حتى في ذريعة درامية قد يحتاج الى كثير من الجهد، وتجديد الرؤية المسرحية. فكل هذه الجماليات قد تحتاج الى توظيف في عملية المسرحة لكي لا تقع في المجانية، أو الاستعراضية، أو الشكلانية.
المهم أنها محاولة تجريبية متجددة نتوقع تجاوزها الى ما هو متطور، لتجنب الوقوع في اللاتجريبية، أو النمطية.
الباب
ـ "الباب" (تأليف غسان كنفاني، اخراج المنجي بن ابراهيم، تونس). انطلق المخرج التونسي من رواية غسان كنفاني التي تعتمد على أسطورة عربية قديمة تروي خروج وفد الملك عاد الى مكة طلباً لاستسقاء الماء للاحقاف بعد القحط الذي أصاب قبيلة عاد بسبب إلحادها. لكن تأتي من السماء ثلاث غيامات حمراء وسوداء وصفراء تحكمها آلهة قبيلة عاد وهي صدا وصمود وهبا لتحول دون تحقيق أي مشروع لا ترغب فيه. فالقصة تلخص معاناة شداد بن عاد الذي ورث الملك عن أخيه وقام ببناء مدينة ارم ذات العماد، وحين أراد شداد أن يدخلها لم يستطع بسبب غضب الإله هبا فيصر على محاربته. لكن يقع دوي أصوات رهيبة في السماء ثم تأتي غيامة لتنقله الى عالم آخر في غرفة محكمة الإغلاق مغلقة النوافذ.
من هذه الحكاية المعبّرة أراد المنجي أن يشير الى حالة العرب اليوم، عبر الرموز والشخصيات والأحداث التي استخدمها. إسقاط على حاضرنا، وتعبير عن حالة الحصار الذي يعيشها العالم العربي من كل صوب. ويمكن الرجوع الى فكرة غسان كنفاني الذي أراد عندما كتب هذه الرواية في نهاية الستينات أن يشير الى فلسطين المحتلة والى أحوال العرب. على أن المنجي أرادها اليوم أشمل، لترمز الى "احتلال" متسع للعالم العربي، وحصار شامل من قبل القوى الكبرى التي تساند إسرائيل وتعادي العرب.
حاول المنجي بن ابراهيم أن يبتعد عن الرسالة السياسية المباشرة، فاستخدم عناصر السينوغرافيا والإضاءة من دون إبهار، ولا افتعال ليشكل جمالياته الدرامية الخاصة، التي توظف كلها للإيحاء الى المشكلة وليس لنقلها نقلاً فجاً أو هشاً أو مباشراً.
نساء بيرغمان
ـ "نساء بيرغمان" (تأليف ن. روودكوسكي، إخراج وإعداد ثاليري انيسنكا، بيلاروسيا). في مستشفى للأمراض النفسية والعصبية تعالج مطربة أوبرا شهيرة فقدت صوتها الى الأبد، مما يسبب انهيارها عصبياً ونفسياً، الى درجة محاولتها الانتحار، تخلصاً من هذه الحالة المستعصية اليائسة. واحدى الممرضات تحاول مساعدتها، وإقناعها بأن فقدان الصوت لا يعني فقدان لا الأمل ولا الحياة ولا المستقبل. وعبر صدامات عديدة، وسوءفهم من قبل المطربة المريضة، تتوصل الاثنتان الى المصالحة، واقتناع المريضة بآراء الممرضة، مسرح غرفة، بيرغماني بامتياز. وعالم نساء أيضاً. واستكشاف هواجسهن ومشاعرهن وخوفهن وسط عالم لا يرحم. لكن الى الأداء الداخلي، الحي، والقوي للممثلة (المطربة)، وكذلك الممرضة، فإن مناخ العمل تقليدي، من الصعب جداً أن نلمح فيه شغلاً جديداً، أو رؤية إخراجية أو أدائية أي تجريبية جديدة. فالعناصر المستخدمة من ستائر، وألوان، وإضاءة، وملابس، توحي الكآبة، العزلة، و"الجنون" والتشنّج، و... حتى الأمل، لكن لم تتجاوز وظيفتها هذه الدلالات، سوى أحياناً الى جماليات محددة ومحصورة ومعروفة. ليس في العمل اجتراحات إخراجية، أو سينوغرافية مميّزة. لكن حضور الممثلة عوض أحياناً غياب الهاجس التجريبي.
ميديا
ـ "ميديا" (تأليف يوريبيدس، إعداد م. كيستوبولو وهيموناس، إخراج م. كيستوبولو، اليونان). إنها حكاية ميديا الأسطورية التي جذبت كبار المخرجين والمؤلفين لمعالجتها، منذ الإغريق وحتى أيامنا هذه. قصة امرأة "تتفوق على نفسها" بانتقامها الأعمى، الشرس، الرهيب، من زوجها (جايسون) الذي عاد الى الوطن وخانها وتزوّج من أخرى هي أميرة كوريتسوس. والانتقام الرهيب الذي يكشف مدى عنف المرأة المختزن، تجلى بقتل أولادها بيديها. (سهام ناصر والمنجي ابراهيم وسواهما تناولوا هذه المسرحية).
وكان من الطبيعي أن يجيد اليونان صوغ رؤيا حكائية وإخراجية لهذه المسرحية، متجددة، ومتطورة، لكن وقع العمل في التطويل، والبطء والتقليدية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.