8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي الـ15

مربع بيكيت
ـ "مربع + مربع" (تأليف وإخراج برت جستنر، النمسا)، شخصيات بيكيت، أحد رواد المسرح العبثي في القرن العشرين، وكأنها مقتطعة من عدمين، أو من كسور حياة، ووجود. بل كأنها "ظلال" لغوية أحياناً، وشروخ بشرية تبدأ ولا تبدأ. وتمشي ولا تمشي. تتكلم ثم تصمت ثم تتكلم لتصمت، ثم تتكلم ثم تتحرك ولا تتحرك. تومئ وتصوت. تنسى وتتذكر. تقف ثم لا تقف. كأنها أخيلة ميتافيزيقية وسط عاصفة من الوجود الملتبس، والقلق، واللاجدوى، والصدى والموت والتذكر والحنين. كائنات خاصة لاتاريخية هنا ("في انتظار غودو" و"نهاية اللعبة") وحفنة تذكارات هناك كما في "الشريط الأخير" و"آه من الأيام الجميلة" أو لحظات على حافة هاوية كما في (Quad)... بل نحس ان شخصياته (إذا صحت هذه الكلمة) إما تختزل في حركات أو في الصمت أو في الغياب أو في الكلام من حيث تصبح "ظاهرة لغوية"، أو تصويتية، أو حركات آلية.
النمسوي برت جستنر اختار درباً وعراً. أراد أن يختصر المكونات الحركية، والتصويتية، عند بيكيت، ويجعلها مادة كوريغرافية، تعكس عوالم بيكيت لا سيما (Quad) أو المربع، أو لنقل يرى خواص هذه العوالم في هذه التعابير الحركية لتختزل الأمكنة أيضاً كأطر غير معلومة وغير فسيحة ما عدا "في انتظار غودو"، والكائنات (كأطر زمانية غير معلومة أيضاً) ولكن كلها "تتشرد" في جمودها، أو في حركاتها العمياء أحياناً، والصماء ذات الحضور "اللبناني" الكثيف.
تتشرد في الداخل "الرهيب" أكثر مما تتشرد في المسافة الملغاة أصلاً. المخرج النمسوي لعب اللعبة الصعبة. وَزّع بيكيت على شخصيات مجهولة لكن طالعة من مناخ الكاتب. وزعها على مساحات عدة تكاد تكون فارغة.
السينوغرافيا: فراغ تتسلط عليه إضاءة كثيفة، عارية (كالأمكنة)، وأصوات مهمهمة، زاعقة، عابثة، حيوانية بهمدرتها، غريزية بنبراتها، قاحلة غير إنسانية بحياديتها، لحمية ببدائيتها. الصوت. الحركة. المساحة ولو وزعها بين الخشبة واحدى المقصورات في الأوبرا حيث قدمت. كأنما هنا توسيع الأمكنة، لا للتقدم في الزمن بل للعودة الى اللازمن نفسه. والى اللامكان أيضاً. فضاء حي من العبث لكن بلا كلام (وهو أحد عناوين مسرحية بيكيت)، لكن تمزق الكلام وتقطعه وتحوله صوتاً يصبح الكلام الداخلي. وعندها تصبح الحركة وهذه الأصوات، كأنها معجم الرعب والخراب والعدم والموت واللاجدوى والصحراء. تصبح من مفردات العبث وموت المعنى وراء الوجود.
نفذت هذه الرؤياء الصعبة مجموعة من الممثلين والممثلات باحتراف عال، وبتمكن ملحوظ، وبأداء متفجر من الأعماق، بقوة أو شراسة، جمع بين التمثيل الصامت، والإيماء، والصمت، والحركة العنيفة، والرقص، والإيقاع البصري، والهمهمة، والصراخ (المضبوط). وجاءت السينوغرافيا المتقشفة على مكان متقشف، وباستخدام إضاءة معبّرة تعبيراً داخلياً عن الحالات "الدرامية"، لتقدم لنا صورة تجريبية أخاذة، لعوالم كاتب كبير ما زالت حتى الآن وبعد أكثر من نصف قرن تجريبية وطازجة ونافذة الى آخر الحدود.
ذوبان الجليد
ـ "ذوبان الجليد" (إعداد وإخراج سليمان البسام عن هاينر مولر وتورين بتس). عندما حاز الكويتي المقيم في ألمانيا سليمان البسام جائزة أفضل عرض في المهرجان التجريبي في الدورة الفائتة، حملنا هذا الشاب المتفتح آمالاً كبيرة، لا سيما عندما شاهدنا له مسرحية "هاملت" أو اعداداً لمسرحية شكبير. وكانت، بحق، اكتشافاً مهماً لخامة مسرحية عربية في وقت تكاد تجف الخامات العربية.
وعندما دخلنا قاعة زكي طليمات (الطليعة) ازدادت آمالنا خيراً. وقلنا لا بد أن يقدم إلينا هذا الفتى الأغر رؤياء سياسية وفنية جديدة وعميقة عن الحرب التي دارت على العراق وسقوط النظام وأحوال الاحتلال، فهو لا بدّ ان يكون كوّن فكرة أخرى. في البلاد البعيدة عن الأحداث.
لكن ماذا رأينا؟ مسرحية، نصاً (ما كتبه) مهلهلاً، مباشراً، يذكرنا بنصوص "نضالية" من جيل الخمسينات. نصاً غارقاً بالكليشيات السياسية (توليفة من المواقف غير المفهومة وغير النافذة لا تختلف عما تقدمه بعض وسائل الاعلام العربية والأجنبية لاسيما الأميركية). مشاهد فجة، مسطحة، بشخصيات مقبولة، وجاهزة، وبحوارات مبسطة، مباشرة، تعكس مواقع ملتبسة بين المنحى الانساني العمومي الذي يريد أن ينهجه المؤلف ـ المخرج، (فرقته منبثقة عن اللجنة الكويتية للتآخي مع الشعب العراقي)، وبين الانحياز (وإن غير باد بل مموّه)، للاحتلال وتداعياته. من ناحية يود أن يكون موضوعياً بتقديمه شخصيات واقعية (طالعة من الأرشيف والجرائد ووسائل الإعلام) من الضابط الأميركي، الى ممثل الأمم المتحدة، الى الضابط العراقي الذي قتل زوجته وابنته حباً بسيادة الرئيس (صدام)، ولكنه جبن عندما قرر ان ينتحر ثم انتقل بانتهازيته الى المعسكر الآخر في مشاهد مباشرة، ضعيفة رديئة الأداء والحوار فجة وعنيفة (مسرح الخمسينات الملتزم). ولم يسلم هذه المرة من الكاتب ـ المعد ـ المخرج سليمان البسام لا هاينر مولر (أعظم كاتب مسرحي بعد مرحلة بريشت في ألمانيا) ولا تورين بتس، إذ ضمّ نص مولر الى عالم عنيف، مباشر، سياسي، ليخلط عبر نصوصه ونصوص الكاتبين بين ظواهر عدة، وأحداث متباعدة، فتضيع الطاسة في كلتا الحالين. ولا نعرف لماذا يجب أن نقدم عملاً رديئاً على هذه الشاكلة اذا كنّا نسعى الى تقديم معونات للشعب العراقي من الشعب الكويتي. ولماذا علينا أن ننساق الى تكديس الشعارات والكليشيات والمواقف والآراء الجاهزة، لنقدم عملاً شعبياً بالمفهوم "الشعبوي"؟ مسرحية سليمان البسام خيّبت الأمل. فهل يكمل هذا الشاب المفهوم درب الخيبات؟
زمن الطاعون
ـ "زمن الطاعون" (بريشت: حياة غاليلي، إعداد وإخراج طارق الدويري، مصر). مسرحية بريشت حياة غاليلي، وهي من أبرز أعمال المؤلف الألماني، تبحث في حضور المثقف العالم والسلطة الدينية العمياء. هذا العالم الذي كان محاصراً بقوى العتمة وفقهاء الظلام، والجهل، وفارضي المحرمات بالنصوص "الإلهية"، ومحاربي كل سؤال لا يطلع من النص، واعداء كل اختلاف وتأويل، ومكيفي العلوم وحقائقها الراسخة، لمعلمة حقائق مطلقة مضللة، مستأصلة، وهنا يأتي دور المثقف ـ العالم (غاليلي) الذي قال بأن الأرض مستديرة، نتيجة رؤيا بحثية، وقاومه المستأصلون و"النصوصيون"، ومارسوا عليه أشكال القمع والقهر والشرّ، حتى خضع أخيراً دون حقيقته..
ان تقديم هذا العمل اليوم، يأتي وكأنه من زماننا. زماننا الغارق بقوى الفرض العمياء، والملغية كل ما عداها، والمستأصلة في أصولياتها المتعددة الإيديولوجية والدينية والطائفية، يأتي مناسباً كشكل من أشكال مقاومة هذه الظواهر الغاشمة.
ويعتبر هذا النص، المشغول، والمصوغ، على هامش "الملحمية" البرشتية، من أفضل نصوص برشت. وعلى أن العمل الذي قدم في الهناجر، وكأنما أراد أن يرسم رؤيا عربية معاصرة له، لكن عبر مقوّمات رقص تعبيرية (كما هي الموضة الشائعة) ومن ثم يعود الى المقاربة التقليدية في تصميم الديكور، وفي الأداء، ولهذا ازدوجت الرؤية، ودبّ التناقض عبر بروز أسلوبين: احتفالي (قد يكون من أسس اللعبة البرشتية)، وواقعي، من دون أن يلتقيا. فكأننا أمام "مسرحيتين" ومناخين، أي أمام ما يصيب البنية في صميمها. بمعنى آخر لم تكن المشاهد الملوّنة، الراقصة من نسيج العمل. برانية، مزوقة، سهلة، نفّست المناخ الضاغط الذي يميّز المسرحية. وبدا تحريك المشاهد نمطياً، يذكرنا من ناحية ببعض الأعمال البريشتية العربية، ومن ناحية أخرى بمفهوم الخمسينات في تحريك الممثل. ولهذا جاء الأداء تقليدياً، يفتقد الاجتراح، والخلق، والجدة، والمخيلة. جاء ببغائياً أقرب الى الإلقاء المدرسي منه الى اللعب الجواني.
فهذا العمل، ونحتاج الى مثله الكثير في هذا الزمن المشوّش، كان يمكن أن تنضج رؤيته، وعناصره، وإيقاعه، قبل الرسو على صيغة مستهلكة، فجة، مباشرة، تشدّنا الى الوراء أكثر مما تفتح لنا آفاقاً جديدة. مع هذا برزت لحظات مقنعة متباعدة، ومبعثرة، لم تستطع جمع مفردات العمل في لغة ـ متساوقة، ومضمونة، وموحية.
مسرح الحقيبة
ـ "مسرح الحقيبة" (مجموعة من الشبان، مصر). عندما كنّا ننتظر فتح الأبواب لمشاهدة المسرحية الكويتية "ذوبان الجليد" في مسرح الطليعة (قاعة زكي طليمات) اكتشفنا في مدخل المسرح ثلاثة شبان: عازفة كمان وعازف غيتار يلعبان على آلتيهما (على طرف المدخل) وشخص (ممثل) يقف بلا حراك، والى جانبه حقيبة أنيقة. دخلنا، واكتشفنا أن هذه المجموعة الطالعة تقدم عرضاً على طريقتها اطلقت على نفسها "مسرح الحقيبة". وبعد عزف دام عشر دقائق تقريباً بدأ الممثل يروي حياته: كيف تزوج وكيف طردته زوجته (الثرية)، ليوحي بتشرّده، أو على الأقل بعزلته. وهنا يرتجل أدواراً عديدة في اسكتشات قصيرة ساحباً ملابس كل دور من الحقيبة التي كان يفتحها ثم يغلقها وهكذا دواليك. ومن الأدوار: ممثل، مغن، لاعب كرة وبالطبع الزوج، ليختتم هذه الأدوار بشخصية المهرج.
تجربة شبابية جديدة، ممتعة، بأدوات محدودة: الحقيبة، الآلات الموسيقية، بروجوكتور، كرة... وذات إيقاع رشيق. تجربة اسكتشات "شارع". فهي مسرح حقيبة. أي مسرح رصيف أو شارع، لكنها، على جدتها، وحماس الفرقة، وطرافتها قد تحتاج الى ما يربط هذه الاسكتشات، والى من يوجه هؤلاء الممثلين، لا سيما صاحب الدور الرئيسي الوحيد.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00