8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي الـ15

تناولنا في الحلقتين السابقتين الافتتاح وبعض العروض. هنا مقاربة لخمسة عروض أخرى في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي الخامس عشر:
هذيانات
ـ "هذيانات" (إخراج ناصر عبد الرضا، قطر). عندما قدمت هذه المسرحية في مهرجان الأردن المسرحي الفائت بدت على الرغم من تكاثر عناصرها السينوغرافية وطغيان المؤثرات البصرية والسمعية، وكأنها آتية من أمكنة أخرى، من رهانات أخرى، ومن منطق مسرحي آخر. غريبة في صخبها وسياقها (هذا إذا كان فيها سياق ما سوى اللاسياق). فلنقل إنها مسرحية النص المفلت، غير المضبوط، المنساق إلى قوة تفجراته، وتداعياته، وغرائبيته، وإلى حد كبير إلى بلاغيته السائبة التي تقول ولا تقول، توحي ولا توحي، تتراكم ولا تتراكم. وعندما شاهدتها مرة ثانية في مهرجان القاهرة لم تتغير النظرة إلاّ قليلاً: التعديلات لم تمس جوهر العمل، بل أصابت تفاصيل وعناصر قد تكون شدّت أواصرها، لكنها أبقتها معلّقة في صورتها الهلامية.
النص، ونشتم أنه لصلاح القصب، من سوريالية الخمسينات، ومن مناخ الجموح، وتضارب الصور، وتكدس الجمل، واندفاع كسور اللغة، لكنه، على إبهاره، يبقى نصاً من تذكارات الخمسينات، وعندما نقول هنا نصاً، نعني أنه من جمالياته، أو من قوة "جمالياته" الفائتة، وتفجرات في كل اتجاه، وعلى غير محور، لم يرسُ على مركزية درامية. نص الصورة، صحيح، لكن الصورة المجانية، وهذا ما جعله بلا سياق (إلى حد كبير) وبعد بداية ولا نهاية. نص أدبي فحسب، أو على الأثر نص شعري تجووزت لغته، ليبدو وكأنه، وعلى الرغم من مظهره الجديد، نصا قديما.
على هذا النص وتداعياته ولا وعيه واستبطاناته واستذكاراته، بنى المخرج صورته أو صوره الاخراجية. نص حواس يُبنى عليه نص حواس آخر. صورة متلاشية الترابط نُسج عليها، أو ركب عليها، وربما من دونها، رؤيا إخراجية متلاشية الترابط. لكن، ومن داخل منطق هذه الرؤيا، بناء مناخ يُفلت من التعاطي الذهني إلى نوع من تعاطي الاستيحاء والإيحاء. مناخ من التأثيرات المتضاربة تشكل إيقاعه أو لا إيقاعه العام. وهذا يعني تقديم عناصر جمالية تصدم العين والأذن، وترفع صوراً عابرة تشير إلى مناطق غير محددة. كأنما أراد المخرج أن يغرق صوره ومفرداته التشكيلية والبصرية في لا محدود. لكنه لا محدود لا يخفي كثيراً من الدلالات السياسية والاجتماعية والإيديولوجية (ولو أرادها)، ليطغى عليها عالم من اللامعنى، والهشاشة والافتراضية غير الثابتة. لمتعة هي الصور المركبة، وممتع استخدام الإضاءة بطريقة متواصلة. على أن لا منطق النص، والتصاق النص بالرؤيا الاخراجية، يجعلان من الإضاءة عشوائية الحركة، ومجانية، وربما على غير دراية أو قصد من تأثيراتها. وهذا ما يقال عن التأثيرات السمعية: أصوات، وموسيقى متعددة المصادر. لكن هذا الارتباط الآلي بين النص والإخراج، جعل هذا الأخير عملية مطابقة. أو فلنقل كان الإخراج يُفسر بالصور المتتالية والمتنافية، وبالمفردات المكدسة، ما ورد في النص. أي تكرار المعنى بالصورة، أو بالمنظر، ما جعل المشهديات المتعاقبة، إفرازات للكلمة أو للبوح، أي تكراراً بلا إضافات. والسؤال هنا: ماذا ينفع أن يكون الإخراج استنساخاً للنص؟ لكن وعلى الرغم من كل ذلك نلمس جهوداً عالية، ورهيفة، في توليف العناصر الجمالية، وتركيب المفردات البصرية، ما يجعلها أحياناً كثيرة ذات مشهديات خلابة، وذات مناخات صادمة للعين.
وانطلاقاً من نص غير درامي، ومن دلالات بل بؤرة درامية، نجد أن الممثل (العراقي) جواد الشكرجي، رفع في عملية استنساخ ثالثة. فأدى، ورغم قوة الأداء، بطريقة إلقائية هنا، ومبالغة هناك، محاولاً أن يبحث عبثاً لصوته عن مكان خاص. وهنا كان ممكن التخبط: محاولة التعامل مع النص اللادرامي بلعب درامي، محاولة التعامل مع نص شعري متهافت بحضور مسرحي. ومع ذلك، ارتفعت لحظات عالية مع جواد الشكرجي، المتمكن طويلاً، والعارف (وهنا بلا جدوى) بأسرار اللعبة ومخارجها وحلولها... ومخاطرها.
رومانيا
ـ "ترويض النمرة" (لشكسبير، مسرح توتي بولاندرا، رومانيا). مسرحية صاحب "هاملت" المشهورة وضعت بين أيد خفيفة، وضيقة. مجموعة يبدو أنها تنتمي إلى المسرح الشعبي الثانوي.
إحتراف تجمّد في جفافه. أو هواية لم تعبر إلى النضوج. أو رؤيا تبسيطية للكوميديا الشكسبيرية. وقد استخدمت في هذه المسرحية مختلف العناصر الكوميدية المعروفة: من الكوميديا دي لارتي، إلى المبالغة، إلى الإضحاك بالحركات، والركل، الضرب، والنطنطة، وحتى استخدام الدرامية الهوائية، والتكرار في الحركات، والتصويت، والصراخ، والأزياء، والسيرك... أي عناصر لم تتجدّد لا في استعمالاتها، ولا في أداء ممثليها، فجاءت المسرحية "نمطية" ومفتعلة، وباردة، على الرغم من لحظات عابرة نجحت في ابتكارات أو خفة ظل.
يذكر أن مسرحية شكسبير هذه، يبدو أنها مقتبسة عن قصة "أبي حسن المغفل" التي استوحاها مارون النقاش في مسرحيته الثانية.
الجزائر
ـ "ديوان العجب" (لعلاء بوجادي، إخراج هلال عنتر، دهيمي محمد الطيب، الجزائر). ونعود الآن، بعد انحسار، إلى التراث الشعبي والموروث التاريخي، من العصر العباسي الثاني عندما بدأ التفسخ والانحلال يسودان، وينتشر الفقر وأساليب الخداع والاحتيال، وطرق التكسب والتسول التي اشتهرت بها طائفة ساسان. وقد كتب الحريري مقامة سماها "المقامة الساسانية" وصف على طريقته الكاريكاتورية الساخرة أساليب هذه الطائفة وابتكاراتها في عالم الحيل وفنونها وضروبها. وفي الوقت ذاته وصلت إلى القاهرة شخصية طريفة هرباً من التتار هي شمس الدين ابن دانيال الموصلي الذي يضع نصوصاً سماها "البابات"، هي، في أغلب الظن لفرق المحراثية والحجاجبية ولكل فنون التكسب التي اشتهرت بها نقابة بني ساسان العجيبة التي احتلت رقعة من الإمبراطورية العربية الإسلامية. وعبر نصوصه هذه يتناول واقع الناس والمجتمعات وأهل الحكم.
من هذه النصوص التراثية صاغت الفرقة الجزائرية مادتها المسرحية، مستخدمة أساليب عديدة من الكوميديا، والطرائف، والحكم، والمفارقات، وما "يجود" به أهل ذلك الزمان. عودة إلى الموروث هذه المرة، وليس من باب الاحتفالية (الطيب الصديقي، عبد الكريم برشيد) ولكن من باب الطرفة، والرواية، والحكايات. ونتذكر هنا مارون النقاش أول كاتب عربي مسرحي يعود إلى "ألف ليلة وليلة" في عام 1849 وينشئ مسرحية مستوحاة منها بعدما استوحى الأوبريت الإيطالية في مسرحيته الأولى "البخيل" (1847). على أن هذه العودة بدت مع الفرقة الجزائرية غير ناضجة، إذ طغت عليها مناخات السهولة والتبسيط والرؤيا المسرحية المتراكمة على النص، من دون استخلاص مادة اخراجية عالية، أو ممسرحة. والعودة إلى التراث هنا، عودة متأخرة، لم تضاه الأعمال الكثيرة التي انتشرت في الستينات والتي قدمت روائع كما نجد عند سعد الله ونوس، والطيب الصديقي والفرد فرج ومحمود دياب والطيب العلج (وحتى محمد الماغوط) وحمد الرميحي وعبد الكريم برشيد، التي كانت أعمالاً استخدمت التراث لتقول الحاضر بأوجاعه وقضاياه وأوضاعه.
مسرحية عادت بعدما فاتها القطار، محملة بكل ما يجعل منها تكراراً رديئاً لتلك المرحلة، وتراجعاً عن الإنجازات الإخراجية والأدائية والنصية.
بل كأنها، بنصها المتراكم، وحركتها البليدة، وضعف سياقها، ليس في محلها فقط، بل واسترجاعاً غير مجد لفترة جعل فيها التراث قناعاً لحاضرنا.
موال حسن ونعيمة
ـ "موال حسن ونعيمة" (إعداد هشام السلاموني، إخراج حسن الوزير، مصر). في هذا العمل، الذي يعود بنا أيضاً إلى زمن الفرجة الشعبية الذي ساد في منتصف الثمانينات امتداداً لتنظيرات المسرح التراثي (توفيق الحكيم، يوسف ادريس، والاحتفاليين الذين ذكرنا) أو مسرح "الذات" رداً على مسرح الآخر (أي الغرب).
وضمن هذا الإطار، وبشكل فطري اتخذ العرض مادة الغناء الفولكلوري المصري ليربطها بحكاية "حسن ونعيمة" وأسطورة "ايزيس واوزريس" الفرعونية. الربط كان ممكناً، ولو تعمّقت العلاقة الدرامية بين مظاهر الفولكلور والغناء وبين مأساة الحكايتين.

هاملت
ـ "هاملت إذا كان هناك" (تأليف شكسبير واقتباس وإخراج ستيفان ريدل، السويد). وعودة إلى شكبير أيضاً، وإلى هاملت، لكن هذه المرة برؤيا الكوميديا دي لارتي. وإزاء "جنون" هاملت، أو تردده في قراره، والبطء في تطور الأحداث في تلك الأزمنة والوقت الكافي لطرح الأسئلة الكبيرة عن معاني الوجود والحياة والموت والحب والذات كأن يتساءل "أكون أو لا أكون، هذه هي المسألة" إزاء كل ذلك، وتبرز السرعة في عصرنا هذا. لا وقت لمثل هذه الأسئلة. فالحياة على عجلة من أمرها. لا تأمل. ولا قلق. ولا تردد. شيء ما يجرفنا ويدفعنا فلا نستطيع حتى النظر إلى الوراء، أو تأمل الحاضر.
لكن العثرة تأتي، في هذا السباق المحموم، من طرف المهرج (احدى شخصيات "هاملت")، الذي، وهو في هذا الخضم، يسمح لنفسه، وعلى الرغم مما يدور حوله من "جنون" أن يلحظ "جوهر" الأشياء، وأن يكتنسه ما وراء الأمور، لكن من خلف الأوهام، وكذلك من نظرة نقدية تكاد تغيب في اندفاع الأمور والأحوال. هذا المهرج، كأنه الوجه الآخر لهاملت، أو القناع الآخر له، والمقلب لما يسود عصرنا. فهو، ومن خلال استعادة مزدوجة لدوره التقليدي للتهريج والحكمة، يرى الأشياء من صورتها المضيئة. البهجة. ومن وتيرتها المتسارعة إلى حركتها المتباطئة التي تسمح لنا بالاستمتاع بالحياة، واكتشاف الوجه المخفي خلف العتمة. لكن السؤال: هل يصير المهرج هاملت آخر، أم أن هاملت منذ البداية هو المهرج الحقيقي؟
على أن "هاملت" المهرج، يحيط به "المهرجون" من شخصيات المسرحية. هذه الشخصيات التي يلعبها كلها مهرجون. ففي ديكور مؤلف من واجهة بيت تتضمن فتحة باب واحدة، وثلاث فتحات نوافذ، يتوافد المهرجون الأربعة، الواحد بعد الآخر من هذه الفتحات، ليكونوا رباعياً من التهريج الآلي، وكأنما الحياة نفسها هي مادة التهريج أو الهزل. وهنا، تبدأ العلاقة بين القاعة والجمهور: من تعليقات، إلى تعليق على التعليقات بالعربية أحياناً وبغير العربية أحياناً أخرى. والشخصيات الشكسبيرية الأربعة التي تحوّلت إلى مهرجين نعرف منها: المرأة المتبرجة، بلكنة مضحكة. ثم تعلن الممثلة أنه سيتم لعب هاملت، ليعود المهرجون الأربعة إلى الواجهة. يُطل رأس. انه بولونيوس بملابس المهرج الذي يعلن وصول الملك الذي توفي وتزوّجت امرأته من أخيه. تلفون محمول يرن. الملك يقلد الدقة (يضحك الجمهور)، يجيب، ويدخل هاملت وهو يجهش باكياً وصارماً معاً. "سيكون عندك بابا جديد" تقول له "الكورس" لتغرقه من جديد في "نحيبه". وهكذا يتم نوع من التواتر بين التراجيدي والكوميديا. الممثلون لعبوا بتمكن كبير لعبة التهريج انطلاقاً من "الكوميديا دي لارتي" بكل مواصفاتها وحركاتها ومبالغاتها و"ابتذالاتها"؛ لعبة التهريج التي تخرج من عمق المأسا.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00