8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي الـ15

تناولنا في مقالنا السابق وقائع افتتاح المهرجان والعرض الذي قدّمه وليد عوني. هنا مقاربة لأربعة أعمال.
* * *
ـ "أنا والكونترباص" (اقتباس عن الألماني زوسكند، للمخرج محمد العرقي، تونس).
في ديكور طبيعي، داخلي: كونترباص في الأقصى، ومشجب، ومكتبة، ومنصة نوطة، يتحرّك في هذا العمل ممثل واحد (جعفر القاسمي)، وليلى قويد، ومحمد علي محمد (خلفيتان للمونودرما)، على امتداد ساعة وربع.
مونودراما يمكن وصفها بأنها خطاب موسيقي وحيد. أو هكذا يبدو. عازف كونترباص يروي ذاته، فناناً، وعلاقته بالكونترباص، وبمواصفاتها، وأهميتها، وأسرارها، بطريقة المعلومات أحياناً، وبأخرى انطباعية أحياناً أخرى، ويسترجع شبابه وغرامه، وذكرياته في الحفلات الكبيرة التي أحياها، وحققت نجاحات، وبعض الذين كانوا يغنون أو يعزفون معه. عالم كامل من الحنين واللوعة يفجرها هذا العازف الوحيد المنتهي، المتقاعد ربما، في بيته، يستحضره. وهنا نتذكر ضمن سياق التركيب والاحالات "يوميات مجنون" لغوغول، والعديد من المونودرامات العالمية والعربية (رفيق علي أحمد، زيناتي صدقية، محمد القطاف وعبد الحق الزروالي) لأن المونودراما، وكأنما وسمت بمواصفات وتقاليد باتت ثابتة إلى حد كبير، بعناصرها الكتابية والاخراجية والسينوغرافية.
إنها مسرحية الممثل الواحد. أي مسرحية النص في النهاية. الكلام الذي يعبئ فراغ الزمن، وفراغ الأمكنة، وربما فراغ الداخل، أو العزلة، أو التوجه إلى الآخر المستبطن، أو استنباش الذات الفردية في علاقتها بتاريخها وبتواريخ الآخرين.
هنا الموضوع خاص: عازف كونترباص، يحاول أن يسرد ذاته، وبعدة تعابير وأشكال ونبرات: من الدراما، إلى الحس الكوميدي، فحتى الميلودراما (وإن مخففة). يتلبسس شخصياته وأقنعته ليعرّيها على الخشبة. مسرح العُري، المونودراما. مسرح المرآة المضلّعة، الخصبة، العميقة الندوب، انه عزلة الروح.
النص المقتبس مشدود إلى حد كبير، وملموم، وممكن، ومتنوع، يجرح هنا، يسلي هناك، ينتفض، يكتئب، يهمد، يصمت. يحاول الكاتب فيه أن يتجنب المنحى التراكمي، أو السردي المسطح، وينجح لكن ليس النجاح الكامل. فالسردية تشكو من التكرار، ومن تضمين الكلام كثيراً من التفاصيل اللامجدية، والمعلومات "العلمية" عن الكونترباص، والمباشرة، وهذا أثر على بنيتها وإيقاعها، لا سيما، ضمن سينوغرافيا عادية جداً، وطبيعية، وإضاءة فقيرة تكاد لا تخدم سوى الانارة، من دون إضافة درامية. والموسيقى والمؤثرات تفسّر النص والشخصية أكثر مما توحي بمناخات الداخل والاعتمالات.
أما الممثل فقد بدا أنه جهد كثيراً في تحضير دوره وتقديمه. مسيطر على حركاته، متمكن من نبراته، ومشدود بحركاته، ومتنوع، وداخلي في غير مكان. على أنه برغم ذلك وقع في التبسيط الادائي، وفي التماهي بالصيغ المعهودة لفناني المونودراما، وفي الثرثرة الجسدية والحركية، وفي المبالغة أحياناً، وفي عدم اجتراح حضور طازج كلياً.
حواء
ـ "آي حواء" (اقتباس عن خولي سانشيز سبتسيترا، إخراج يوسف الريحاني، المغرب). اقتباس آخر. لكن هذه المرة من مناخ الحروب، لكن من باب الغناء، وإن كذريعة. حروب طالعة من الشعارات. ومن الكلام، والمفارقات.
الخشبة غارقة بالورق الأبيض. ورق اللفافات الصحية. ورق الحمام، يتدلى من السقف. ويغطي الأرض.
إعلان عن احتفال (سهرة) بزينة من الورق. مما يعطي جواً مفارقاً، وغريباً، بصرياً، على امتداد العرض.
شخصيتان: جندي (أو مغنٍ) ومغنية يحييان سهرة (ربما وهمية) للجنود المنتصرين. وفي تداعيات هذه السهرة التي يتناوب فيها أداءً كل من عبد السلام الصحراوي وزهراء، في عدة أدوار، تبرز لنا، عبر اسكتشات متوالية، ومشاهد مقطعة بإيقاع التحوّلات والأحداث، ليس أحوال الحرب فحسب، وإنما وبالأخص عدميتها، وعنفها، ولا معقولها وجنونها. كأن لا شيء في مكانه سوى الكليشيات والخطب التي تسحق الانسان وتصنع الموت المجاني، وقد عرف المقتبس كيف يسقط هذا النص الاسباني على الواقع العربي، عبر كاريكاتورات الاستبداديين من ذوي الشعارات البرّاقة التي انتهت إلى الهزائم.
وقد بَسَّط المقتبس النص الأصلي "الجارح"، وقسّمه إلى ما يشبه الاسكتشات التلفزيونية، أو المسرحية السهلة، التي تتجنب البنية المركّبة، والشخصيات المركبة، والأداءات المركبة، وحتى مفردات الديكور، ولهذا، فقد كان لهذا العمل أن يكون شعبياً، وقريباً، وبلغة ميسرة، وبطموحات واضحة. الصيغة معروفة، ومطروقة، في مسارح الأزمات والحروب. وعرفناها في لبنان وعرفها سوانا قبلنا. لكن المشكلة أن نص الكاتب الاسباني الأصلي (المترجم إلى العربية)، نفذ إلى الجروح الداخلية والشروخ العميقة التي تصنعها الحروب وأهل الدكتاتوريات والعسكر، ليكون الشعب أو الشعوب من ضحاياها المجهولين، أو المتواطئين، بل كأن لا مكان للأبرياء في الحروب لأن الأمكنة شاغرة للموتى وللضحايا. هذه الرسالة الأصلية الملتصقة بالحرب الاسبانية وربما بمآسي الحرب العالمية الثانية ورموزها البارزة في العرض (هتلر، موسوليني، فرانكو)، وبشريط ضحاياها ومجازرها وقتلاها ودمارها (بث شريط توضيحي مرادف). لكن هنا، علينا ألا نلتصق بتأويلات حروب معينة عرفناها أو لم نعرفها، وإنما بفكرة الحروب، وبشعاراتها ودوافعها وتفاهاتها ولاجدواها. في ختام العمل تكنس كل هذه الأوراق (الشعارات) عن المسرح، ويفرغ الشريط لتبقى الشاشة فارغة للحظات إشارة إلى فراغ المعنى، والعدم، والموت.
أما الثنائي عبد السلام الصحراوي وزهراء، فقد أدى بمستويات متفاوتة، وبتبسيط تلفزيوني ـ إذاعي، بحيث افتقدنا المسرحة، أو التميّز المسرحي. كان يمكن الشغل أكثر على الممثل (لأن المسرحية مسرحية نص، لا مسرحية جماليات أو سينوغرافيات أو إبهار). لكن المناخ عموماً، يوحي وبوضوح توجهات شبابية في المغرب (بعد جيل الطيب الصديقي وثريا جبران وعبد الكريم برشيد). تنضج على نار هادئة.
كاليغولا
ـ "كاليغولا" (نقابة الفنانين الأردنيين، إخراج عصمت الحكيم، عن نص كامو).
سبق لهذا العمل الذي يجمع بين الرؤيا البصرية، الحركية والنص الثابت، أن تناولناه في كلامنا عن مهرجان الأردن السابق.
سويسرا
ـ "تورانس وغرادي" (سويسرا). تذكرني هذه المسرحية بفيلمين عن "التنصت" أداهما كل من آل باشينو وكارل مالدن عن مشكلة التنصت "السياسي" (نتذكر فضيحة ووترغيت التي ذهب ضحيتها نيكسون). لكن في العمل السويسري، تبدو المقاربة جديدة، وبوسائل جديدة.
الخشبة جوها معدني. بارد. آلات تنصت وتسجيل نظيفة جداً، تتوسطها مقصورة شفافة لتلقي المعلومات العليا (نتذكر الأخ الأكبر في رواية أورويل 1984)، وبين هذه الآلات شخصيتان كأنهما مستنسختان من شدة تشابههما في الملبس. وفي الحركات. وفي النطق. وفي السحن. هاتان الشخصيتان (موظفان آليان)، يقومان بعمليات التنصت على الناس (نتذكر عمليات التنصت عندنا في لبنان التي ما زالت شغّالة)، لكن أيضاً يتنصت كل منهما على الآخر. تنصت متبادل، أو الأحرى تجسس متبادل. لكن الشخصيتين معاً، تخضعان للتعليمات العليا. إنهما شخصيتان خاضعتان. تنفذان ما يملى عليهما بشكل مواظب ودقيق ونظيف وأنيق. أي اللعبة القذرة بقفازات حرير، أي بمظاهر ناصعة. وجها العملة. والديكور يعكس هذا المناخ: كل شيء في مكانه. مرهف. آلات حديثة. مبتكرة، منظمة. وشخصيتان "آليتان"، تشبهان هذه الآلات المعدنية. الباردة، البلا عواطف. ولا تفكير. وكأنهما "روبوان" تحرّكهما بزر أو بصوت.
هذه المسرحية السويسرية من أهم ما قدّم حتى الآن في المهرجان: الديكور في مكانه. لا إبهار. ولا زيادة. ولا حشو. ولا ثرثرة. فقط ما يخدم المناخ والممثلين. أما الممثلان، فقد لمعا على امتداد العرض، بحضور مبلور، متمكن، مصوغ، ومشغول، ومقتصد، وحي. ممثلان كبيران شحنا العرض بأداء، ظاهره سهل وداخله صعب. دوران مركبان لممثلين عرفا، وبنضج وخارج كليشيات التمثيل، كيف يحافظان من أول العرض إلى آخره، على تماسكهما، وتوهجهما، وقوتهما. ممتعين كانا، وصارمين، ومتنوعين. لعبة النص هنا، ولو تخلله كثير من الصمت والتمثيل الصامت، والايماء المدروس (نتذكر هنا شخصيات بيكيت في مسرحية "في انتظار غودو" إلى حد كبير).

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00