8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مهرجان الفجيرة الدولي الرابع للمونودراما

في ناد ما بين الجبال والبحر، حيث يتداخلان تداخل الماء بالماء أو الرمل بالرمل أو الصخور بالصخور، وفي مشهدية خلابة، قام افتتاح مهرجان الفجيرة الرابع للمسرح المونودرامي، في حضور حشد ضخم بلدي ومن قرابة 40 دولة عربية وأجنبية مثله نحو 250 شخصية مسرحية وفنية ونقدية وسينمائية وتلفزيونية وقد رعى الافتتاح حاكم الفجيرة الشيخ حمد بن محمد الشرقي وولي عهد إمارة الفجيرة.
وألقى نائب مدير هيئة الفجيرة للثقافة رئيس المهرجان محمد الضخاني كلمة أشار فيها الى المنجز الثقافي الذي حققه هذا المهرجان. كما ألقى المدير التنفيذي لشؤون الثقافة والفنون في وزارة الثقافة بلال البدور كلمة أكد فيها أهمية أن تقدم الفجيرة مهرجاناً مسرحياً بهذه الصيغة.
هذا الافتتاح الرائع الذي أقيم في الهواء الطلق، بمدرجاته ومنصته، ما بين البحر والجبل، وتحت سماء صافية، فبدت الساحة متلألئة بالأنوار، وبانعكاساتها على أديم الماء، لتكون مشهدية جمالية فل نظيرها. الى الكلمات التي ألقيت قدم عرض راقص رائع بتوقيع ماهر هريش (مصمم الإضاءة) الحيوي الشبابي الحديث، الجامع بين اللمسة العربية والمغربية، أضاف الى المشهدية الطبيعية جمالية الأجساد التي ألهبت المسرح بقوة حضورها. (الفرقة الراقصة سورية)، ليختتم الافتتاح بمفرقعات لوّنت السماء وأضاءتها في تشاكيل وتلاوين بهجة ورائعة.
من المبتدأ هذا يمكن استشفاف ملامح المهرجان، الحاضن الانفتاح على الغرب بمنجزاته المسرحية وعلى المسرح العربي والامتدادات الفنية. وقد تجسد هذا الانفتاح باختيار العروض الخمسة عشر التي تنوعت بين أعمال مونودرامية عربية وأجنبية، ترفدها ندوتان: تطبيقية نقدية وأخرى فكرية حول فن المونودراما.
هنا مقاربة لمجموعة من العروض التي قدمت:
الذي نسي أن يموت
- الذي نسي أن يموت (نص اسماعيل عبدالله، إخراج حسن رجب، الإمارات). كأن مهنة العزلة صعبة أحياناً ومليئة بالأسئلة، والهواجس، والكسور. مهنة الهامشيين كما أرادها الكاتب. أو مهنة من لا يريد المهن المنخرطة في لعبة المجتمع السائد. وهل أجدر من أن يختار الإنسان غسل الموتى، وتهيئتهم لما بعد الحياة، أو لما قبل الاختفاء تحت الأرض. غاسل الجثامين. أو غاسل العدم. فيا للعبث، تكاد تقول، ويا للاختباء. يمحي الغاسل أمام الموت. والموتى. وأحياناً كثيرة يتماهي بهم. أو يلتبس بزمنهم، لتلتقي العزلتان الكبريان: عزلة الموت وعزلة الحياة. ذلك أن مثل هذه الأمكنة الأخيرة امتداد لأمكنة المجتمع الأخيرة التي لم تعد ملجأ لسكانها، لا من حيث قيمها، ولا من حيث مداراتها. واختيار مغادرتها من موت عمومي الى ميتات فردية (أو جماعية) يكون فيها غاسل الموتى الشاهد الأخير على هشاشة الشرط الإنساني، وعلى عبث الوجود (نتذكر مشهد هاملت في المقبرة وهو يداعب جمجمة أحد الكبار الذين رحلوا).
على هذا الأساس، انبنى النص الطريف والموحي. لكن كان يمكن معالجته بشيء من الاختزال. وبكثير من الدلالات، لا سيما عندما يراد للكلام أن يحل محل الجسد. أو الخوف. فالسردية التي طغت أضعفت تلك المناخات المجردة، والعادية؛ وكأنما الكلام أمام الهاوية جزء من موت مقبل. أو سقوط مبكر. أما الإخراج فجاء أيضاً مرادفاً أو مفسراً للكلام، وليس طالعاً من مخيلته وخزائنه. ثرثرة كلامية وكليشيات لفظية، وومضات لامعة، وتعابير طازجة، رادفتها حركة من الممثل: في كل الاتجاهات، وبكل الجسم. وهذا طبيعي عندما يراد للممثل أن يواجه مساحة شاغرة بحضور مليء. لكن وكما أن النص والممثل طغيا كحجمين متآلفين، أو ككتلتين متشابهتين على المناخ، فإن المجاز وهو العمق المسرحي بامتياز بدا مغلقاً الى حد كبير، أو موجهاً بطريقة مباشرة، خصوصاً عندما جاء الديكور الذي غطى الفضاء كله تقريباً، ليعمق الشرخ بين احتمالات التأويل وبين المعنى المباشر، بين تعددية التفسير وأحادية القراءة. وهذا ما شعرنا به من لعبة البروجوكتورات التي من خلال تحريكها واللعب بألوانها، إضفاء مناخ من الاختفاء أو بلبلة السمات والوجه. طموح مهم لكن النتيجة لم تثمر سوى جمالية جزئية غالبها مجاني، وسوى مسحة من الغموض على ذلك الكائن السيزيفي المحكوم بعقاب الآلهة بصخرته العاتية التي يجرها من الأسفل الى القمة ومن ثم من القمة الى الأسفل... بلا متعة ولا هدف. بل إن لعبة البروجكتورات (وهي قديمة من أيام بيسكاتور في بدايات القرن الماضي أي نحو 1920)، أربكت تكاوين الأجواء التي حاول المخرج صوغها على امتداد العرض، مع هذا، عرف العرض لحظات قوية كان يمكن أن تتعزز وتتصاع، وعرف الممثل أيضاً كيف يُجسد حالات صعبة لكن، وبسبب ما شاب النص من هنات، ومن تكرار، وبسبب تعثر الرؤيا... وقع أحياناً كثيرة في الاداءات البرانية، والمبالغات الصوتية، والثرثرة الجسدية.
عمل جريء في مقاربته كان يحتاج ربما الى مزيد من إنضاج عناصره ومجازاته.
هانولمان
- هانولمان (تأليف كريستان ايبرت، إخراج مايكل نيونسشرانور، أداء رافائيل تراب، سويسرا). من أفضل الأعمال المونودرامية التي قُدمت في المهرجان. إنها لعبة الممثل الشامل، والمتمكن فنياً وذهنياً وجسدياً وبراعة ومرونة ولياقة ودقة. رافائيل تراب بقامته العارية وملابسه المعهودة، تحرك على خشبة عارية: طاولة في الوسط يغطي قسماً منها شرشف تحته آلة سكة حديد مفترضة. من هنا المنطلق: الشخصية تواجه الجمهور بنبرة حيادية: حيادية محاضرة لدكتور يعرف ما يقول. وواثق من معرفته ومن وضوحه. خصوصاً عندما يتكلم عن البيئة والمخاطر التي تهددها، والمسائل التي تشكل صراعات أي القضايا العمومية من موقع مثالي واثق، أو فلنقل من موقع موضوعي يسعى الى اكتشاف ما حوله. لكن، ومع تنامي الكلام، وهنا الكلام أكثر من مجرد وسيلة تعبير بل وسيلة اكتشاف أيضاً، ونزع أقنعة، يُحس شيئاً فشيئاً، بأن الأمور كلها تفلت منه، تماماً ما أفلت منه جسمه، وأن الإكباب على تشخيص المعضلات كأنما كان قشرة تغطي أزماته الذاتية؛ أي عجزه. وهذا الكشف يكمل عجزه، أو فلنقل انكساره أمام قوة العالم، وضعفه. فمن تلك النبرة الحيادية ـ الواثقة ـ الى نبرة مهتزة، فإلى نبرة تساؤلية تراجيدية، فإلى صرخة أمام هاوية عميقة تخبئ في ظلماته نواحي تناقض مظهره الذي أطل به على الخشبة في البداية: الود والإيجابية والمثالية والتعاطف الى نبش طبقة كثيفة ضيقة حادة يخشى الإنسان أي إنسان أن يلمسها في ذاته: الشراسة والارتداد والخوف وتلك العزلات المغلقة التي توحي أحياناً بالكراهية، والتعصب، لكي لا نقول العنصرية. هكذا تقف الشخصية وحدها، وبعد تصاعد الحالة، وتطورها المليء والبطيء، ناضجة للقطف: أي ناضجة بالفشل، واليأس والخراب الداخلي، والممزق: وقفة بين المنعطفات الخطرة، حيث يشعر المرء أن العالم كله تخلى عنه، أو هو تخلّى عن العالم. هنا العنف العاري. عنف اللحظات الأخيرة العدمية: المسدس يرفعه يصوبه الى رأسه، وهو جامد: وجهه من قسمات شمعية، عيناه ليلان فاغران، حوله الفراغ المدقع... يصوب المسدس الى رأسه وينسدل الستار أو تعم عتمة النهاية شيئاً فشيئاً... من دون أن نتأكد من أنه حقق فعل الانتحار، أي وضعنا أمام نهاية مفتوحة حلوها أمرّ ربما من الموت!
لا أعرف لماذا ذكرتني هذه المسرحية بمسرحية يوشكو الدرس، التي تستخدم فيها اللغة جزءاً من مسار الى القتل. (وهي من أجمل أعمال صاحب المغنية الصلعاء)، ولا يمكن إلاّ أن أتذكر هنا أسلوب هارولد بنتر في سياق بنيته وتكونها وتطورها الداخلي، لكي لا أقول أنها تذكرني أيضاً بنص هاينر مولر المهمة (من أهم النصوص التجريبية، حيث نجد في هذه الأعمال المختلفة طبعاً كيف يتحول السرد فعلاً مسرحياً، بعيداً من التراكم والإنشائية وافتعال التذكر والحكايات. فالتطور الدرامي المتباطئ بدا من خلال تحول الشخصية الهادئ... حتى التفجر، وقد أظهر الممثل السويسري فرادة في الأداء المونودرامي على خشبة شبه عارية، وإضاءة مدروسة ومتقشفة، ومؤثرات متباعدة، ليتقدم كمحور أساسي بحضوره وبلياقته وقامته وقدرته العالية على التحكم بأدق الحالات، والتعابير، على الوجه، أو في الحركة، أو حتى في الوقوف، ونتذكر هنا تلك الرهافة التي عبر بها من مشهد لا ينسى، عن عجزه الجنسي، مجافياً السرد الحالي الى الفعل الدرامي الموحي أكثر من وضع محدد ليشمل العجز الشامل لهذه الشخصية التراجيدية (الاغريقية في عمقها).
عمل رائع استمتعناه في هذا العمل، وكدنا نقول، بل قلنا، وأخيراً شاهدنا ممثلاً مسرحياً كبيراً.
الزبّال
- الزبّال (تأليف ممدوح عدوان، إخراج وإعداد حاتم السيد، الأردن. هذا العمل من أكثر الأعمال التي مُثلت للشاعر والمسرحي الراحل ممدوح عدوان في العالم العربي، نظراً لأهمية موضوعها، ولجرأتها، ولغتها، وموقعها. تتحدث المسرحية عن زبّال متقاعد يعيش في بيت إبنه المتزوج. يشعر بالملل والفراغ والوحدة. يقرر العودة الى عمله. يتوسل المسؤولين بأن يعيدوه. وقبل قرارهم إعادته يقرر من تلقائه العودة الى الحارة التي كان يعمل فيها سابقاً. ويبدأ بتفقّد أهل الحارة فرداً فرداً ويسألهم عن أحوالهم وعن كيفية سير الأمور في غيابه. ومن خلال ذلك، ومن خلال عمله يتفقد زبالتهم ويبدأ بتعريتهم وفضحهم وكشف أسرارهم.
هذا العمل قدمه المخرج الأردني حاتم السيد عام 1996، في مناسبات مسرحية عدة. وها هو اليوم يستحضره. صحيح أن المخرج بدا أنه متمكن من تحقيق رؤيته وقراءته للنص، وهي رؤية تنتمي الى المسرح المكتظ بالديكور، أي الديكور الطبيعي، من أثاث وأشياء، وإضاءة (للإنارة عموماً) وفضاء مليء، وصولاً الى أداء الممثل الذي يفسّر النص كما فسّره الديكور. وعلى هذا الأساس تحرك عبدالكامل الخلايلة في مونودراميته بهدوء بجوانية أحياناً وببرانية أحياناً أخرى، بمبالغة ميلودرامية هنا، أو بتقشف أدائي هنالك، من دون لعب أو نزق أو اجتراح. مثل الدور بالطريقة الكلاسيكية. فحضر بقوة في لحظات، وغاب الإيقاع في لحظات أخرى.
وكنّا نتوقع من حاتم السيد، وهو المطلع على أهم إنجازات المسرح العربي وغير العربي في العقود الماضية، أن يقارب النص مقاربة جديدة تلبي المناخات التجريبية أو على الأقل المناخات الجديدة التي عرفها المسرح العربي منذ السبعينات وحتى اليوم.
جسدي في تسعة أجزاء
- جسدي في تسعة أجزاء تأليف ريمون فيدرمون، إخراج مارتين انجلر، لوكسمبورغ.
رأى بعض النقاد والنظارة أن هذا العمل ليس مونودراما لأن الممثل لم يؤد وحده الدور بل شاركه آخر يعزف الموسيقى المرادفة أو الموحية على المسرح. لكن بصرف النظر عن هذه الناحية التي لن نتوقف عندها، ويمكن إيجاد فتوى مسرحية لها، فإن ما قدمه هذا الممثل الرئيسي كان مجرد خدعة، أو عملية نصب حقيقية... فهو اختار الهواء الطلق منصة طبيعية مرتفعة، والجمهور في مستوى أخفض. وحاول أن يوظف هذا الفضاء الطبيعي المسرح خارج المسرح) من الساحة الى النافذة... فالمبنى، فإلى النزول ومشاركة الجمهور لكن بدا في كل ذلك أولاً قديماً قدم هذه التي باتت من محفوظات الذاكرة العربية (وهنا نتذكر مسرحيين عرباً لعبوا اللعبة بأقوى منه كروجيه عساف وشكيب خوري، والتونسي عزالدين قنون (في الدالية)، ومسرح الصواري البحريني في أعمال عديدة رائعة، والمسرح الأردني... والمصري... والمغربي وصولاً الى أعمال غربية كثيرة. إذاً جاء أخونا ليبيعنا بضاعة كاسدة أو انتهت مدة صلاحياتها باعتبار أننا نحن العرب سنبهر بعقبريته لجهلنا وتخلفنا... إذاً جاء المعلم الجديد بأدوات أكل الدهر عليها... وبدا لنا أن حدوثته السياسية في عمقها (ولن نقول أكثر) يمكن أن يمررها. عال! فليمرر خطابه. ولكن أن يأتي حتى وهو غير جاهز، وغير مهيأ، وثقيلاً على المسرح، وفي ركضه وطيرانه (جنح كالدجاجة وظن نفسه يمامة)... ومما زاد الطين بلة... أنه اكتشف ربما في اللحظة الأخيرة تتويجاً لإنجازه... فحمل كتاباً أو بياناً.... وراح يقرأ وهو واقف أمامنا وكأنه يلقي درساً في الصفوف الابتائية: قرأ قرابة ثلث ساعة هكذا قراءة ببغائية أطفأت بعض اللحظات المضيئة القليلة التي أتحفنا بها هذا العبقري اللوكسمبوري.
انطيغون
- انطيغون (مقتبسة عن سوفوكل، إخراج وتمثيل بيروت مار، ليتوانيا). الحكاية معروفة واقتبست وترجمت مسرحاً على امتداد قرون: انطيغون ابنة الملك أوديب، يعاقبها كريون ملك طيبة الجديد بدفنها حية لأنها حاولت دفن جثة أخيها بولينيس، وكانت انطيغون قد أهالت حفنة من التراب فوق جثة أخيها. هذه المسرحية تستكشف السبيل لتوحيد اللغتين القديمة
(التتمة ص 21)

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00