8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

نزيه خاطر الذي ألّف لنا نقدنا اليومي

في أواخر الثمانينات كنا مقبلين للتو على حياتنا المدنية، مغادرين أو منشقين عن بيئاتنا الحزبية المسلحة، ذاهبين إلى سنتنا الجامعية الأولى، وإلى محاولاتنا الأولى في الكتابة أو الصحافة. كنا كأفراد قد غادرنا الحرب حتى قبل أن تنتهي، مستعجلين في سعينا للتطهر والتخلص مما اقترفناه جهلاً بحق أنفسنا وبحق بلدنا ومدينتنا.
كنا نحلم أن نصير هكذا، شعراء وفنانين وكتّاب وصحافيين، أن ننتسب إلى هذا المجتمع، الذي بدا لنا حينذاك كآخر ما تبقى من بيروت، كملجأ أخير لم تدمره الحرب. كنا نعرف أن لبنان القديم قد خسرناه كله بلا رجعة، وفاتنا إلى الأبد معايشة تلك الحقبة السحرية لبيروت، الممجدة في ذكريات من خبروا العيش فيها قبل العام 1975.
في لحظة مجيئنا متلهفين للإنتماء إلى ذاك العالم الأنيق، لا للإرتقاء الإجتماعي وحسب، ولا لتجاوز انحطاط الحرب وحضيضها وإدقاعها فقط، إنما لتأليف هوياتنا الفردية، ولنكتسب احتراماً لأنفسنا، ورضى ذاتياً، كان ظننا أننا ونحن نسعى لنكون كتّاباً وصحافيين وفنانين وشعراء، نكون جديرين بالإدعاء أننا من بيروت وأننا هكذا نكون نشبه اللبنانيين كما نتخيل ما كانوا عليه في الستينات ومطلع السبعينات.. طالما أن حمى الحنين الشاملة والحسرة العامة التي تفشت في تلك السنوات الكئيبة، كانت تستحضر بالدرجة الأولى صور بيروت مقاهي الأدب وغاليريات الفن والمهرجانات العالمية ومطابع الكتب وصالات السينما الباذخة وحفلات الموسيقى والغناء وعوالم الموضة والأناقة وازدهار الصحافة. كنا ننتظر بلهفة أن تنتهي الحرب، كي نستعيد أو نستأنف لبناناً تشكل في مخيلتنا من صور ذاك الحنين، واعدين أنفسنا أننا سنكون شبيهين بالذين سبقونا وصاغوا تلك المغامرة على أرصفة بيروت وفي صالونات مجتمعها وفوق مسارحها. أن نرث عاصمة الحرية والإبداع، كما كنا نرطن ونردد. في ذاك الزمن، أواخر الثمانينات، كنا نحمل نصوصنا الأولى في الشعر إلى شوقي أبي شقرا، أحد رموز مجلة شعر، المثابر على إصدار الصفحة الثقافية في جريدة النهار، كي ينشرها لنا، فنزهو ويصيبنا غرور الشعراء ونتحصل شرعية هكذا ادعاء، وحقاً مكتسباً في الجلوس عند مقهى الويمبي أو المودكا بوصفنا أدباء حقاً. كنا نحمل مقالاتنا الأولى إلى الياس خوري، المواظب على الصفحة الثقافية في جريدة السفير، اليسارية الهوى والعربية الإنتشار، لعل في نشره لمقالاتنا نكتسب صفة المثقفين ونكرس أسماءنا.. بل وأيضاً نحصل على مكافآت مالية تبيح لنا القليل من التأنق والبذخ كما يجدر بـالمثقف أن يبدو.
لكن الأهم بالنسبة لنا، كان أن نجالس أولئك المثقفين، أن نربح صداقتهم وأن نشاركهم طاولتهم ونبادلهم الكلام، وأن نحصّل منهم اعترافاً بنا، أن نصير منهم ونتعلم تلك التقاليد في الحديث والتفكير والجلوس والظهور، أو أن نعرف تلك الأساليب في التعبير والحضور وأسرار صوغ الهالة الشخصية والتمايز الفردي، وكيف نؤلف لغة خاصة مفارقة للغة العوام.
من ذاك الإنبهار بنموذج بيروت الماضي، ومن ذاك الإعجاب العميق والإفتتان بأولئك الباقين والمستمرين كعلامات على العصر الثقافي الذهبي، كنا نغذي طموحنا ونلاحقه. لذا، كنا وقتها مبتهجين أن يستقبلنا ذاك الشاعر المشهور في منزله ليقرأ لنا مسوداتنا الشعرية ويمنحنا ملاحظاته، أن نذهب إلى افتتاحات المعارض التشكيلية كما يفعل ناس هذا المجتمع الجذاب، أن نقرأ يومياً الصفحات الثقافية وما فيها من نصوص ومقالات، نتمعن فيها كتدريب على تقويمها أو التأثر بها، أن لا نترك عرضاً مسرحياً إلا ونشاهده، أن نؤلف جلسات نقرأ فيها لبعضنا البعض ما اقترفناه من قصائد، وأن نجالس في المقاهي نجوم الرواية والشعر والمسرح والنقد والصحافة.. وبالأخص تلك الطاولتين الأسطوريتين: طاولة بول شاوول في الويمبي، وطاولة نزيه خاطر في المودكا.
كان طقس المداومة على مقهى الرصيف في شارع الحمرا، أحد آخر ما تبقى من مظاهر الإجتماع الثقافي وعلاماته المرسومة من زمن الحداثة واقتراحاتها في المدينة. وكان نزيه خاطر يعرف هذا بالضبط، هو الذي اختصر عالمه على مئات الأمتار الفاصلة بين منزله في شارع المقدسي، ومبنى جريدة النهار في أول شارع الحمرا، ومقهى المودكا الذي يتوسطهما في منتصف الطريق. كان هناك يجلس مرتين على الأقل في اليوم الواحد، قبل الظهر وأول المساء. وكأنه كان ينتظرنا قبل أن يعرفنا. كأنه كان يعرف أننا سنأتيه، أن جيلاً جديداً سيقبل نحوه كي يستأنف هو دوره كمرشد وناقد ومعلم وعارف ببواطن المواهب وصاقلها وموجهها، ويتمتع بسلطته هذه، التي استحقها من قدرته على التبصر والنظر واستنباط الأحكام والتصويب والقراءة بين الألوان والسطور وتشريح النصوص.
كان نزيه خاطر هناك يومياً في شارع الحمرا، كصمود شخصي، كعناد بوجه التحولات الساحقة، مستمراً بما اعتاد على القيام به: كتابة النقد اليومي، دعة التأمل في الحياة الجارية على الرصيف، استضافة المقبلين عليه من فنانين وكتّاب تداولاً في النقاش والثرثرة الأدبية ومعاركة الأفكار وامتحانها، والنميمة التي لا تخلو من مقاصد الترويج أو التبخيس لعمل فني أو كتاب أو مقالة.
كانت فرادة سلطته ليست متأتية من معارفه وسعة ثقافته النقدية واطلاعه المستمر على مجريات الثقافة العالمية وحسب، وسكبها في مقالة صحافية، بل في تسييل رأيه النقدي في فضاء المدينة ونشره كالعدوى على الأرصفة وفي المقاهي والصالونات. كان يبث قوله، الذي لا يخلو من الوجاهة، ككلام عمومي ينتشر كالشائعة، فيتحول إلى حكم بديهي ثابت. كذلك، كانت تلك السلطة ليست متحصلة من صرامته النقدية وحصافته، بل من انتباهه أن كتابة النقد لا تتوقف على استدعاء علم النقد وقاموسه، إنما توسيعه إلى اعتبارات أخرى. فالنص أو اللوحة أو العرض المسرحي لا يتم تناوله كمعطى مستقل، إذ ينظر نزيه خاطر إلى لحظة حضور العمل وشروط مكانه وإلى انفعالات متلقيه وصلته بيوميات المدينة، وبالسياسة وشروط السوق وبعلاقته بما سبقه ابتعاداً أو تجاوزاً أو تقليداً. كان يؤلف إلى حد بعيد نقداً محلياً. هذا هو الأنجاز الصعب لنزيه خاطر: ابتكار النقد اليومي. ففي العالم العربي إجمالاً يمارس النقد الثقافي كالذي يشبه ممارسة الطب الذي يتعلمه الأطباء في الجامعات، فلا مجال للإرتجال أو المزاج الشخصي أو الإنحراف عن القواعد والقوانين. يمكن القول، بهذا المعنى، أن نزيه خاطر علمنا طريقة في القراءة والنظر والمشاهدة. وفي غيابه، يتأكد لنا هذا الشعور بأن ما بقي لنا من القرن العشرين ومن تاريخنا الشخصي، ينطفئ من دون تعويض.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00