إنهمك مجلس النواب اللبناني، على مدى الأيام المنصرمة، بورشة تشريعية مزدحمة بمشاريع قوانين، ذات طابع إجتماعي ومعيشي. جلسات نيابية محمومة ومكثفة، تمتد حتى ساعات المساء، من أجل إنجاز وإقرار أكبر قدر من مشاريع القوانين المقترحة. بدا ذلك أشبه باستيقاظ من غيبوبة. أو كأننا فجأة انتقلنا إلى بلد آخر. كأن النظام المشلول هبّ بغتة واقفاً على قدميه. ورافق هذه الورشة، حراك مدني كثيف، متعدد المطالب والحاجات. حراك نقابي، نسوي، بيئي.. متنوع ومنظم، يواكب نقاشات البرلمان ضغطاً وإلحاحاً واحتجاجاً.
بدا المشهد طوال الأسبوع المنصرم، كأن اللبنانيين اكتشفوا فجأة دولتهم، السيستام الذي يدير حياتهم. والأهم أنهم اكتشفوا أنفسهم، ككائنات سياسية وجندرية وفئات إجتماعية وطبقية، وذوي مصالح فردية وعمومية، وأنهم ليسوا حشوداً لعصبيات دينية، أو جماهير أيديولوجية، أو رعايا زعامات أبدية، قبلية وطائفية. كأنهم نبشوا وعياً كامناً، مختلفاً عن تلك الهويات الصلدة التي يشهرونها عادة.
النساء المنتظمات في جمعيات مدنية، وأبرزها حركة كفى، كن هناك في وسط العاصمة من أجل إقرار قانون حماية المرأة من العنف الأسري. مياومو شركة الكهرباء يعتصمون من أجل إقرار قانون تثبيتهم في ملاك الشركة. هيئة التنسيق النقابية وجمهورها في تظاهرة حاشدة لإقرار قانون تعديل سلسلة الرتب والرواتب. أصحاب العقارات من جهة، والمستأجرون من ثانية، في صراع على قانون الإيجارات الجديد. المعلمون في إضراب من أجل نيل حقوقهم وتحقيق مطالبهم. مراقبو الملاحة الجوية ينفذون إضراباً واعتصاماً لإقرار مطالبهم أيضاً. إحتجاجات وقطع طرق واعتصام أمام المجلس النيابي من قبل متطوعي الدفاع المدني لإنصافهم وتثبيتهم في الوظيفة الرسمية. وبموازاة كل هذا، طلاب الجامعة الأميركية يصعدون من تحركهم الإحتجاجي ضد زيادة الأقساط وينصبون الخيم في باحة الجامعة الرئيسية. كل يوم تنبثق كتلة مطلبية، وتعبيرات لفئات مهنية وطبقية. كأنه ربيع اجتماعي طارئ، انتعاش مباغت لنظام ديموقراطي يعاني أزمة مصيرية مديدة.
يا لهذه الأيام المبهجة والحيوية، حيث نشهد دولة تعمل ومواطنون يسعون. ثمة إدارة وثمة مصالح وأهواء وحاجات ومنازعات وحقوق ومسؤوليات وقوانين ومظالم ومنافع.. كلها تتدافع في صخب الحياة اليومية. وعليها يتلاقى الناس ويفترقون، يتوافقون ويختلفون، ويبحثون عن تسويات عمومية عادلة، تثبتها قوانين، إلى أن تتبدل الأحوال والموازين فيعاودون ذاك البحث عن قوانين جديدة، تنظم علاقة الكل بالكل، والفرد بقرينه، والمواطن بدولته.
ما إن تم طرح مشاريع القوانين، والقضايا المعيشية حتى تقدمت حقائق الواقع الإجتماعي والمهني والجندري والإقتصادي، وطغت على الإعتصاب الأهلي والطائفي والمذهبي والأيديولوجي، وتبدلت الإصطفافات والولاءات السياسية. فلا قيمة هنا للإنقسام الفوقي بين 8 آذار و14 آذار في لحظة تضامن نقابي، أو نسوي، أو طلابي. تراجع الإنتماء الأيديولوجي إلى مرتبة الإعتقاد، الذي لا يعوّل عليه كثيراً في حقل المصلحة.
كان هذا امتحاناً عسيراً لمجلس النواب وأحزابه وكتله المنقسمة سياسياً، على غير صورة الإنقسامات الإجتماعية والطبقية. فهنا لا يمين ولا يسار ولا رأسمالية ولا اشتراكية ولا ليبرالية ولا محافظة... هنا نظام لبناني بصفات خاصة ومحيّرة، يشمل كل ما سبق ويضيف إليه طوائفيته وأوليغارشيته وميليشياويته ومافياويته.. وفي هذا الإمتحان السياسي الواقعي، المفارق للسياسي الإعتقادي، تبدد الإنقسام التقليدي وتوزع النواب في رأيهم وانحيازهم، مع كل مناقشة لمشروع قانون، على غير تحزبهم بين 8 و14 ووسطية.
لا شك أن عموم نواب 14 آذار ظهروا قليلي الحساسية تجاه الشأن الإجتماعي ومصالح الفئات الشعبية من المواطنين. ولا شك أيضاً أن نواب 8 آذار بقوا كعادتهم، في لغتهم وأفكارهم، ديماغوجيين وشعبويين، وينظرون إلى الدولة كغنيمة، وإلى المواطنين كمستزلمين وتابعين يهبونهم العطايا كلما تذللوا وهتفوا مبايعة، على نحو ما فعله البعض في ردهات شركة الكهرباء، عقب إقرار البرلمان لقانون تثبيت المياومين.
انكشف نواب الأمة بصفتهم متأخرين عن ديناميكية المجتمع المدني وتطور ثقافته، خصوصاً في مجال حقوق المرأة، ليس فقط في مسألة حمايتها من العنف والإغتصاب، بل قبل ذلك في قوانين الأحوال الشخصية والإرث والحق بمنح الجنسية لأبنائها، وفوق ذلك حقوقها السياسية والتمثيلية.
وفي جانب آخر، انكشف النظام اللبناني، في الجمهورية الثانية (دستور الطائف)، بصفته أميناً لمبدأ المحاصصة واقتسام الغنائم طوائفياً، ويميل إلى فرض الإنقسام الطائفي ومعيداً إنتاجه، في كل مرة يواجه فيها مجتمعاً موزعاً وفق هوياته الواقعية، المهنية والطبقية والثقافية والجندرية. يأبى مجلس النواب إلا أن يكون ممثل كتل طائفية ومذهبية، لا ممثل مواطنين وناخبين. وهؤلاء الأخيرون ينقلبون سريعاً إلى عصبياتهم وانتماءاتهم الطائفية مجدداً، عند أول استحقاق، تماشياً مع سير النظام الذي ينجح دوماً في دمج البعد الطائفي في صميم المسألة الإجتماعية والمصلحة الإقتصادية والإنتماء الطبقي. أليس المحرومون هم شيعة حصراً؟ أليس المغبونون هم سنّة تحديداً؟ أليس المهمشون هم مسيحيين فقط؟ هذا هو الخطاب الخادع الذي غالباً ما يطيح كل مرة محاولات المجتمع اللبناني أن يصير مجتمع مواطنين مجتمع مكلّفين، عمالاً وموظفين وفلاحين وأصحاب مهن حرة وتجاراً ومصرفيين وأصحاب عمل ومستثمرين وصناعيين، ونساء ورجالاً وشباباً وطلاباً وعاطلين من العمل وذوي حاجات خاصة ومثقفين وفنانين وحرفيين..
بهجة الأسبوع المنصرم، ليست في همّة المجلس النيابي ونشاطه المحموم وحسب، ولا في صخب النقابات والتنظيمات المدنية والأهلية والطلابية فقط، بل هي في جلاء نادر للحقيقة السياسية: لا بديل للبنانيين، ولا مجال للحياة السوية من غير العودة إلى السياسة، إلى وجود الدولة وتمكينها وحدها من دورها ووظيفتها، والإنضواء في كنف سلطتها والإحتكام إلى الدستور وشروطه وموجباته. ولا بديل للبنانيين، في سعيهم للرزق والرفاهية والطمأنينة والإستقرار، إلا بتجاوز العصبيات وصنع فرديتهم وصوغ مواطنيتهم.
الإلتزام بالسياسة، كما تجلت صورتها الواقعية والإجرائية خلال هذا الأسبوع، هو ما يتيح للبلد أن يصير وطناً وجمهورية، وهو ما يدفع الجماعات والأهل كي يكونوا ناخبين ومواطنين أفرادا، متنازعين في حياة ديموقراطية دائمة التحول. هاتوا دولة قادرة لا يهيمن عليها السلاح الفئوي كي أعاركها. هاتوا برلماناً غير مصادر بقوة الإرهاب والإغتيالات كي أطالبه وأساجله وأحاسبه. هاتوا لي حكومة منبثقة عن الإرادة الإنتخابية لا عن إرادة التهديد بالخراب والحرب والقتل كي أدفع لها ضريبتي أو أتظاهر ضد قراراتها أو احتجاجاً على تقاعسها. هاتوا لي هذا النظام الفاسد كي يكون هو السلطة وحدها لا تشاركه فيها الميليشيات وعصابات السلاح كي أناضل لإصلاحه أو حتى تغييره.
على الأرجح، هذا لن يتحقق الآن، والأسبوع المنصرم كان ربيعاً عابراً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.