8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لم أعرف كيف أضغط على زر الصعود إلى الطابق الثالث، في مصعد مستشفى رفيق الحريري الجامعي (مستشفى بيروت الحكومي)، طالما أن الكبسة مقتلعة. أما الذين وجدتهم في المصعد معي، فكانوا قد هبطوا إلى تحت الأرض، وصعدوا إلى الطوابق العليا، بانتظار أن يسعفهم الحظ ويقف في الطابق الثالث.
من الخارج، يبدو أن الرطوبة والعوامل الطبيعية الأخرى قد فعلت فعلتها، فتقشرت الجدران الخارجية، مبقعة هنا وهناك، فيما الصدأ بدأ يهيمن على كل ما هو معدني، عدا تلك النوافذ الكثيرة، التي تبدو ولو من بعيد، مخلّعة أو مكسورة الزجاج.
مباني المستشفى الضخمة والممتدة على مساحة واسعة، ومرافقها الكبيرة الخاصة بطلاب الطب، ومستودعاتها، ومواقف السيارات المشيدة بطوابق تحت الأرض، تبدو على الرغم من مأهوليتها، كأنها مهجورة وفارغة، ومتروكة للتداعي مع الزمن. وما كان مفخرة عمرانية يوم البدء بتشييده في التسعينات، وكان من المفترض افتتاحه عام 2001 وتأخر تدشينه إلى العام 2005، بات سريعاً، بسنوات قليلة، آيلاً إلى خراب بطيء.
في غرفة المريض الذي كان علينا زيارته، كان ربع السقف الإصطناعي قد اختفى وظهرت تلك التمديدات من قساطل وشبكة كهربائية ومواسير مياه، وتمددت الرطوبة إلى الحائط والخزانة. ليس في الحمام من صابون أو ورق محارم ولا أدوات خاصة بالمرضى، عدا قلة النظافة وانعدام الصيانة. مسكة النافذة مكسورة فلا تأمن فتحها ولا تستطيع إغلاقها.
وجبة الغذاء التي أتوا بها لمريض السكري كفيلة بالتسبب له بنوبة خطرة من ارتفاع السكر في دمه: بطاطا، خبز أبيض، معجنات، وحلوى الجيلو... أما الممرض فيطلب أن نشتري الأدوية من الصيدلية، لعدم توفرها في المستشفى.
قبل فترة، نشرت الصحف عن سرقات في المستشفى وقد تم تصوير الفاعلين، وهم يقومون بالسرقة، بكاميرات المستشفى. لكن من غير اتخاذ أي إجراءات بحقهم. عدا عن توثيق الحريق المفتعل الذي شب فيه، من غير أن يؤدي التحقيق إلى نتيجة عقابية. السرقات هذه، حسب التقارير المنشورة شملت معدات وآلات في المستشفى، منها مكيفات الهواء والتجهيزات الكهربائية، بالإضافة إلى سرقة ملفات مالية، وصفقات شراء أدوية وهبات نقدية وعينية..إلخ.
الطبيب الذي ألحّ على أهل المريض أن لا يجوز تأجيل العملية الجراحية، ولو ليوم واحد، اشترط أن يتم دفع بدل أتعابه نقداً، من خارج فاتورة المستشفى التي تغطيها وزارة الصحة، على الرغم من أنه من الكادر الطبي للمستشفى. الفساد يبدو في الأعشاب الضارة والعشوائية النابتة وحدها في شقوق الإسمنت وبين البلاطات. الفساد ظاهر في تلك المكاتب والغرف المتداعية، في التجهيزات المعطوبة، في الآلات التي اختفت، في النقص الحاد بأعداد الأطباء ورداءة الخدمة، في اضطرار الأهل لشراء الأدوية، حتى البسيطة منها كالمضادات الحيوية، من الصيدليات المجاورة، التي تبدو مزدهرة هنا، في محيط المستشفى.
الصرح الصحي، الذي كان من المفترض أن يشكل شبكة أمان استشفائية لسكان العاصمة وسائر اللبنانيين والمقيمين، ومعهداً لآلاف طلاب الطب، يبدو مريضاً على نحو لا شفاء له. هكذا، كما هي حال سائر تلك المشاريع التي دفع اللبنانيون ثمنها، منذ منتصف بداية التسعينات، مليارات الدولارات (باتت في أغلبها ديوناً باهظة) من أجلها، من أجل بنية تحتية تدمرت في 15 عاماً من الحروب، أو استجدت بعد عقدين من الشلل والتعطيل العام، وتقادم الذي كان قائماً. مؤسسات خدماتية، وطرق وجسور، وشبكات كهرباء ومياه وصرف صحي، وتمديدات وإشارات سير ومبانٍ ومرافق عامة ومدن رياضية وملاعب ومطار دولي ومرافئ وجامعات (كمجمع الحدث للجامعة اللبنانية).. كلها كانت مشاريع طموحة وبشروط هندسية ومعمارية وتقنية عالية المستوى، تم تنفيذها بكلفة هائلة، غالباً أكثر مما يجب، بسبب الإختلاسات والفساد والهدر والإهمال والرشاوى السياسية ومافيات الأحزاب البارعة في نهب الدولة.
وكنا ارتضينا أن ندفع تلك الفاتورة، أن نتحمل كلفة الفساد، مقابل أن ننجز ما يحتاجه البلد، ما يلزمنا لنعيش بشروط مدنية مقبولة، ما نعوزه لنقول: بات لدينا مدينة كاملة. كنا نريد بأسرع وقت أن نخرج من خريطة الخراب إلى أرض العمران. أن نبدأ حياة حقيقية.
افتتح مستشفى رفيق الحريري الجامعي عام 2005، في العام الذي تم فيه اغتيال الحريري. ذاك القتل السياسي، الذي من بين أهدافه توقيف البلد، عدم السماح له بالنفاذ من دوامة الاضطراب والحروب المتكررة، وعدم السماح للبنان أن يتخلص من منظومة الوصاية المافيوية وفسادها، شديد الوقاحة والفجور.
منذ ذلك الاغتيال، بدأ الموات والاهتراء والتداعي والتآكل والتلف يصيب ليس فقط النظام، الحياة الدستورية والسياسية، الاستقرار الأمني، هيبة الدولة، سلطة القانون.. بل أيضاً الدورة الاقتصادية، الدخل الفردي، مستوى المعيشة.. ثم أصاب بنية البلد المادية، عمرانه ومؤسساته وإداراته. كل ما هو للدولة، كل ما هو مرافق عامة، كل ما هو إدارة رسمية، صار على شاكلة ذاك المستشفى، آيلاً للسقوط، للسرقة، لـالتشبيح الميليشيوي ـ السياسي، للاستقواء الحزبي الذي يغطي النهب والاختلاس والفساد بكل أنواعه.
انتهى عهد إعادة البناء والإعمار في العام 2005، مع ذاك الانفجار القاتل، وبدأ عهد آخر لا إسم له سوى أنه زمن التخريب، زمن ممانعة الحياة وإفسادها.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00