وقع أنسي الحاج في الموت: ويخيّل إليّ، وقد جمعت المتناقضات، أني لم أعد أصلح حتى كاذباً (أو مبالغاً)/ وقد كنت أتوقّع وأتوقّع إلا هذا: أن أقع كسمكة القرش أنيقاً/ ناعساً كالحنكليس/ مفتوح البصر/ وبأعجوبة / أطوّق التجمعات/ الكوارث/ والأمور والناحية الأخرى (من قصيدة العاصفة، ماضي الأيام الآتية).
قبل شهر من غيابه المتوقع، كانت بعض الصحف قد بدأت تتنافس بصمت، في تحضير ملفات رثائية وتكريمية ووداعية له، استعداداً ليوم الخبر، بعد أن صار مؤكداً أن المرض الخبيث قد تمكّن منه وتفشى، وتغلّب على جسده الواهن والمتعب.
في اليوم التالي على وفاته، نشرت الصحف اللبنانية صفحات كاملة وملفات معدّة سلفاً وعلى مساحات واسعة، وتصدّر خبر موته الصفحات الأولى في معظمها. كان هذا بمثابة حدث استثنائي، أظهر قوة حضور أنسي وأثره كشاعر في الثقافة اللبنانية، ومقدار إسهامه ومكانته ككاتب وزميل في تاريخ الصحافة اللبنانية المطبوعة خصوصاً.
أُعطي لأنسي الحاج حقه، ومن خلاله، أعطيت تلك الحقبة الذهبية من تاريخ الحياة الصحافية والثقافية اللبنانية التقدير اللائق، وبجرعات من الحنين، وربما أيضاً الكثير من الأسطرة والتبجيل. ومن أجل ذلك، يمكن التعالي الآن على الأسئلة المحرجة، وعلى غريزة النقد، وعلى المراجعة. كأن نسأل لما تبددت وعود تلك الحقبة الذهبية، وأين اختفت صرخاتها المغوية ولماذا حلّ الصمت حين وقعت الجريمة.
يمثّل أنسي الحاج، رمزاً لـالحداثة الشعرية العربية في مبتدئها المعلن مع إطلاق مجلة شعر. وتمثل ثلة الشعراء الذين انضووا فيها ونشروا عبرها تجاربهم وكتاباتهم، حركة تحرير الشعر والأدب العربي من الكلاسيكية الرومانطيقية والرمزية. وما بين التأليف والترجمة والنقل والإستلهام، كان لمجموعة شعر جهد استثنائي موصوف في عصرنة الكتابة العربية، في الأدب وفي الصحافة تالياً.
وعلى الأرجح، مثّلت تلك التجربة الميدان الأبرز والمعلوم في العالم العربي، للصراع حول الحداثة كأيديولوجيا، ونظام قيم وأسلوب حياة وسياسة واجتماع. فحداثة الغرب وأسباب تقدمه ورفاهيته وحريته وازدهار إنسانه (وأزمته) وانتظام مجتمعاته في دول ومؤسسات.. كانت تبدو هي المنارة التي يجب أن نسترشد بها ونلاحقها من غير تردد. كانت الحداثة هي اليقين بلا تردد، والمصير المرتجى. لكن هذا لم يحدث في العالم العربي إلا شعراً (حتى في السياسة). والشعر والسياسة تعريفاً: كذب.
هؤلاء الشعراء، الذين يرادفون بين الحداثة والحرية، أقاموا على امتيازهم الأقلوي، النخبوي. امتياز ندرة الحداثة وندرة الحرية، إلا فيهم ومعهم، إلى حد أنهم فيما بعد، والآن، أنكروها على العامة الدهماء المتخلفة، واستكثروها على شعوب غارقة في الجهل. فما من شيء يستدعي قلق أنسي في سوريا إلا خوفه على الحسناء سلاف فواخرجي، كما أن لا ثورة ولا ثوار هناك عند أدونيس، المتحوّل والثابت من غير قرار، طالما أنهم لا يرددون قصائده ولا يتبعون مواعظه.
تلك خطايا لا تلوّث على كل حال رفعة الإنجاز الشعري للحداثويين، ولا تساوي شعراءها مع شعراء البلاط وسفالتهم. تلك خطايا على قدر ما نسبوه لأنفسهم من تمرد وثورة وحرية. وعلى هذا يُسألون هم لا غيرهم من شعراء المدح والأوسمة وولائم الطغاة، الساقطون سلفاً.
وعلى الرغم من أن شعراء الحداثة العربية استأنفوا تقليد الشاعر المتنبي، المتعالي والرؤيوي الآتي من وادي عبقر، لا في الشعر وحده، إنما في الدور والصورة والمكانة، مستعينين بما رسمه قبلهم جبران خليل جبران مثلاً، إلا أنه من الصعب إنكار خطورة المغامرة التي قام بها أفراد معدودون على أصابع اليد الواحدة في مكان صغير من العالم العربي، فـعصبة مجلة شعر هذه، أطلقت صيحة تجديدية، ومشروعاً ثرياً ابتداء من خمسينات القرن الماضي وإلى منتهى ستيناته. وهي الفترة التي شهدت احتفالاً فعلياً وخلاقاً لإرهاصات الحداثة الأدبية، التي لا تزال منطلقاتها وأصداؤها تحتل حيزاً كبيراً من الفضاء الثقافي العربي.
هؤلاء، أصحاب هذه المغامرة، كانوا بشراً أيضاً. منهم من تنازل قليلاً فخسر دوره، ومنهم من تراجع فغاب في النسيان، ومنهم من ساوم فحصل على مكاسب واهية، ومنهم من تنكر وخان فحصل على شهرة مضحكة، ومنهم العنيد أو اللامبالي. ومن بين هؤلاء كان أنسي الحاج المغامر الأول، المتطرف، بكل زندقته وإيمانه، بكل ملائكيته وشيطانيته. فصاحب تلك الثلاثية لن، الرأس المقطوع، وماضي الأيام الآتية، كتب صدماً للكتابة، وضرباً لها. وألّف شعراً يكسر الشعر، بمنتهى القسوة والرقة. وبصفات البركة واللعنة، جسّد نتاجه هذا نص الحداثة الشعرية العربية بامتياز، لا يضاهيه في ذلك أي من أنبياء الشعر المعاصر، هاتفاً: لكي يتم لنا الخلاص علينا يا للواجب المسكر- أن نقف أمام هذا السد ونبجّه (من مقدمة لن).
ليست أهمية أنسي الحاج في قصيدة النثر، فهو لم يخترعها، ولا محمد الماغوط. كانت قصيدة النثر على أيديهما نتاجاً طبيعياً للمدرسة اللبنانية في اللغة العربية، في النثر، في الأدب. إنهما وريثا هذا التجديد الهائل، الذي قام به الشدياق والبساتنة واليازجي وجبران وأبو ماضي وعقل وأبو شبكة ولبكي ونخلة وعبود وسليمان ومعلوف والأخطل الصغير ومطران.. الذين للمرة الأولى منذ عصور العباسيين، أعادوا للغة العربية (نثراً وشعراً) رونقها، رهافتها، لمعانها ورشاقتها وقوتها. وبالأخص شعريتها. إن هؤلاء، مع ما فعلوه في تشذيب النثر وتسييله وتنظيفه وصقله وتثقيفه، ضيقوا كثيراً الهوة بين النثر والشعر، بين الجزالة الشعرية والصلابة التعبيرية والمرونة التأليفية والرفعة الأدبية. وبذلك، وبهذا الجهد النادر أعطوا اللغة العربية في اللحظة المصيرية، المترافقة مع اليقظة العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، فرصة تاريخية لا تنتسى كي تستمر على قيد الحياة وتتعصرن. إذ لا مبالغة في القول أنه لولاهم، لولا نشاطهم وعبقريتهم الفذة، لكانت هذه اللغة الآن في المتحف، ولما استطاعت العبور من زمن المماليك إلى زمننا المعاصر.
وحين جاء أنسي الحاج وصحبه، فإن ما فعلوه تماماً هو استكمالهم المشروع اللغوي، النهضوي، فردموا الهوة بالكامل. هكذا ولدت قصيدة النثر. فلم تكن اختراعاً أو نتاجاً ثانوياً جاء عبر جسر الترجمة، كما يروّج البعض.
إذاً، ليست أهمية الحاج في قصيدة النثر، رغم براعة الإنجاز، ورغم أن الأسبقية على الأرجح هي لأورخان ميسر وعلي الناصر في مجموعتهما المشتركة سريال. لكن امتياز تجربة أنسي الحاج هو في مكان آخر، في ثلاث علامات:
ـ الفضيحة: حيث الجرأة من الداخل، بطاقتها القصوى، تجعل من الكلمة أو العبارة ملتهبة بتأويلات حرة وجديدة.
ـ الفرادة: إذ يظهر الشيطان والملاك في جسد وعقل حر، في تأليف يتجاوز مرجعياته، وينفلت عن حدود تلك المرجعيات، لتكتمل الجرأة الفكرية والنفسية بالجرأة على المفردة وعلى ذاكرتها القاموسية.
ـ الحرية: حيث لم تعرف القصيدة هذا القدر من الإنضباط الشكلي، لتكون معبّرة إلى هذا الحد عن تمرد بلا حدود.
طرح أنسي الحاج الحرية (في الكتابة) بوصفها إشكالية ملعونة، تشترط الصرامة الشكلية والدقة، كما تشترط حريتها بلا تعريف، بلا مقدمات، بلا ضفاف. أي بوصفها إيماناً وخطيئة، انعتاقاً والتزاماً في آن معاً. بهذا المعنى، طرح الحداثة بوعي ديني ونبوي (إذا صح التعبير).
في سجال الحداثة المبتذل، طوال النصف الثاني من القرن العشرين، ضيعت العروبة العقائدية على الأدب العربي فرصة كبيرة قد لا تعوّض، حين بمقاييسها وشروطها وبلاهة الثنائية (الأصالة والحداثة)، كبحت حركة التجديد، وحظرت عبر سلطتها ورقابتها كل قدرة على الإطلاع والإنتشار والتداول الحر والنقد والمبادرة والتجريب. ولم تسمح إلا بحداثة ناقصة، منمذجة على طريقة أصحاب الأنصاف: نصف أصولية، نصف تراثية، نصف وزن، نصف قافية، إلخ. وفي المقابل ذهبت الحداثة الأيديولوجية إلى الإغتراب والإفتراق والإستغراق في تعاليها شبه الديني، كما لو أنها فرقة التكفير والهجرة. ثمة احتقار مضمر عند هؤلاء الحداثويين لـالعوام ولغتهم.
في الشعر حصراً، لا مبالغة إن قلنا لو أتيح للأجيال العربية منذ الستينات أن تقرأ حقاً، بكل حرية، نتاج أنسي الحاج، خصوصاً لن والرأس المقطوع وماضي الأيام الآتية، كما نتاج أقرانه، ونتاج الجيل الذي تلاهم كسركون بولص، وبول شاوول وعباس بيضون وبسام حجار.. لتغير وجه الشعر العربي الراهن، بل ولتغير شعر أنسي الحاج نفسه، الذي انتكس فيما بعد الثلاثية المذكورة آنفاً.
خسر أنسي الحاج الجنون، الجنون الأخاذ، المفتوح على أجمل إغراءات الشعر، الجنون الذي يحيل الشعر إلى دفق شيطاني ووحي ملائكي في جسد الإنسان المنتصر بخياله وصوته. لكنه واظب فقط على ادعائه فيه وفي كلماته. صار الجنون (النبوة) موضوعاً لا حالاً، صار ثيمة يكتب عنها، لا حقيقة تكتب ذاتها.
من لن، حين أصبحت اللحظة أو الصدمة التاريخية في عصمة أنسي الحاج، إلى الرأس المقطوع عندما انكشف الخيال الصرف وتأكدت المجانية، إلى ماضي الأيام الآتية، حيث انطلقت التجربة بلا رحمة واضعة الملاك الحاسد للشيطان مقابل الشيطان الراصد للملاك في قبضة الشاعر. كان الحاج في قصيدته إبليس الحداثة وراهبها.
كل هذا قيل سابقاً بصيغ مختلفة، أخفت أو أقوى، بتبجيل أو بتنديد، لكن من الأجدى أن نتذكره كله في لحظة غياب الشاعر. ومن المغري أكثر أن نستعد لخيانته.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.