8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

نحن بحاجة إلى سيدة مسيحية (مع احترامنا لجميع الأديان) من أجل الوظيفة التالية.. هكذا يبدأ الإعلان عن طلب موظفة، الذي نشره باللغة الإنكليزية موقع هاير ليبانيز (Hire Lebanese.com) منذ أسبوع تقريباً. أما نوع الوظيفة المخصصة فقط للمرأة المسيحية، فهي لا تتطلب معرفة في اللاهوت، ولا ممارسة طقوس دينية من أي نوع. وظيفة مدنية عادية جداً تستطيع مطلق امرأة، تمتلك مهارات العمل على الكمبيوتر والتسويق، القيام بها.
لا نعرف الدافع الذي حدا بتلك الشركة لأن تعلن، بكل هذه الوقاحة، أن التوظيف سيكون فقط لسيدة مسيحية، سوى أن القائمين عليها لا يرغبون بتوظيف إمرأة غير مسيحية مهما كانت كفاءتها. ولا نعرف تصريف احترام الشركة لجميع الأديان سوى بأنها قول استباقي دفعاً لتهمة الطائفية، التي حدست الشركة أن عبارة نحن بحاجة إلى سيدة مسيحية لا بد وأنها نابعة عن عقلية شديدة الطائفية، والتي باتت تمييزية فاقعة عند قسم كبير من اللبنانيين. الشركة تدرك تماماً أن إعلانها سيجر عليها تهمة الطائفية، مع ذلك لم تتردد في نشره. لماذ؟ لأنها تعرف أنها ليست نشازاً على المزاج اللبناني السائد، وأنها تنسجم تماماً مع أيديولوجيا الجماعات السياسية التي تمثل أغلبية اللبنانيين، والتي تتصارع اليوم علناً وبكل وضوح على تشكيل حكومة من نوع هذه الحقيبة الوزارية من حصة الطائفة الفلانية أو هذه الوزارة ملك زعيم الطائفة وصهره وعدا ذلك، فإن وجود الطائفة مهدد وحقوقها مهدورة. الوظيفة تلك للسيدة المسيحية، وليست لمواطنة لبنانية، تماماً مثل القول وزارة الخارجية الشيعية وليست وزارة الخارجية اللبنانية.
والمسار الطائفي هذا لا يتوقف عند هذا الحد. فثمة مسيحي حقاً ومسيحي ملوث، وثمة شيعي فعلاً وشيعي منشق، وثمة سنّي مخلص وسنّي خائن.. وهكذا دواليك. إذ كما تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب، من الممكن جداً أن المرأة المسيحية المطلوبة للعمل يجب أن تكون أيضاً عونية أو قواتية، حسب هوى الشركة السياسي، كي تحظى بالوظيفة. أو ربما على المتقدمة بطلب الوظيفة أن تكون مثلاً كاثوليكية لا أرثوذكسية، أو حتى من الأفضل أن يكون مسقط رأسها في كسروان لا في الشوف، بل الأجدى أن تكون على صلة قرابة ولو بعيدة بصاحب الشركة..
وما يبدأ تمييزاً طائفياً، سرعان ما يستغرق التمييز في التفاصيل إعداماً لكل اختلاف ونفياً لكل تنوع، بحثاً عن ذاك النقاء العدمي والإفنائي.
على الأرجح، ما كانت هذه الشركة أو غيرها لتتجرأ على نشر هذا الإعلان، ولا كان الموقع الناشر ليقبل به، لو لم يتكرس في النظام السياسي اللبناني العملي (لا الدستوري) الإنحطاط الطائفي، الذي يراكم يومياً الإنقسام التام في السكن والوظيفة والمعاشرة والولاء السياسي بين الجماعات المذهبية والطائفية، والإبتعاد عن الإختلاط ونبذ المشترك، وفدرلة الدولة حصصاً ومغانم، وإعلاء الهوية الدينية وإشهارها وحدها، قسراً أو طوعاً، على اللبنانيين فرداً فرداً، فلا يجوز للفرد الخروج عن ذاك الإنتماء ولا يتاح له اختيار أي انتساب مدني أوشخصي، ولا تنظر الجماعات الأخرى إليه إلا وفق هويته الطائفية. فإن لم يحبس كل لبناني نفسه في هوية طائفته ودينه، وخرج عليها، ضاقت به سبل الوظيفة والمعاش وانتبذ خارج غيتو السكن الأهلي الطائفي، وانقطع الناس عن معاشرته.
الطائفية في لبنان ما عادت كما في الماضي، مستترة. بالطبع كانت فاعلة وقوية وتمييزية باستمرار، لكنها كانت مهذبة وخفرة، ومغلفة بالحرج أو حتى الكذب. لم تكن تتباهى بذاتها ولا تعلن عن نفسها. كانت ماهرة في التلاعب اللغوي، وفي التمويه والمواربة. كانت قائمة على فكرة أنها موقتة واضطرارية إلى حين أن يتمكن النظام المدني اللبناني من مراكمة ثقافة المواطنية، وتوسيع مساحة الإختلاط، ورعاية نمو مجتمع مدني عابر للطوائف، وصنع هوية وطنية متشربة لفكرة التعددية. كان النظام الطائفي نفسه يعلن باستمرار عن طموحه للتخلص من الطائفية، وهو كان يدّعي أن دستوره يرسم مساراً عقلانياً نحو اللاطائفية، من غير تهميش أو غبن للجماعات، ومن دون إنكار للحقيقة الإجتماعية بوصفها فسيفساء من الخصوصيات الدينية والمذهبية.
سقط كل هذا الآن. إذ أن الدولة اللبنانية، التي كانت توازن بين حقوق الطوائف وحقوق الأفراد المواطنين، وتراعي مبدأ المساواة في الفرص للأفراد والعدالة بين الجماعات الدينية، انهزمت تماماً. الدولة التي كان بوسعها القول أن وزير الداخلية مثلاً (مهما كانت طائفته) هو وزير داخلية كل لبنان، ما عادت تستطيع ادعاء ذلك، فهو اليوم عليه أن يكون وزير طائفته، ممثلها المنتدب إلى مجلس الملل والنحل، المضطرة اليوم للعيش في جغرافيا واحدة، من دون اجتماعها على سياسة أو رأي أو قرار أو حتى على إدارة عامة مشتركة.
الإعلان عن تلك الوظيفة المخصصة حصراً لسيدة مسيحية، يقابله في مكان آخر أن التفجيرات الإنتحارية لا تستهدف لبنان ولا اللبنانيين بل مخصصة حصراً للشيعة ومناطقهم، أو الإغتيالات لا تطال نخبة رجال لبنان ولا تنال من أمن اللبنانيين وسيادة دولتهم، بل هي مخصصة حصراً بأولئك الذين أسمهم 14 آذار، أو أن بيع العقارات وملكيتها ليسا متاحين لجميع اللبنانيين، وفي أي مكان من لبنان، بل هما مخصصان حصراً وفق التوزيع الجغرافي للطوائف، وهو مبدأ كاد أن يتحول قانوناً: لا يجوز للمسيحي بيع عقار لمسلم أو بالعكس...
على ما يبدو، العيش المشترك بات عبئاً على الطوائف. لبنان الصيغة يتيم وضائع. أقصى طموحنا اليوم أن لا يكون الطلاق عنيفاً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00