ازدهرت القراءة والكتابة مجدداً، وأتى هذا من مصدر غير متوقع، بل لطالما تم اعتباره مصدر تهديد للقراءة والكتابة. إنه الإنترنت، وبالأخص جدار الفايسبوك وخاصية الستاتوس.
في الفترة السابقة على الثورات العربية، لم نحسن تدبر هذا الوسيط الجديد في التواصل الإفتراضي. وبمزيج من النرجسية والحرج، أنشأ كل واحد منا بروفايله، وحائطه الفايسبوكي، من غير دراية مسبقة بما يجب عمله، وما هو مناسب أو غير مناسب نشره وتداوله. لم نكن ندري تماماً وفق أي معايير سنقبل صداقة أو نطلبها. شعرنا على الفور أننا ندخل إلى مجتمع لا عهد لنا بتقاليده وأعرافه. دخلنا إلى هذا العالم، بارتجال وتهيب، فقط لنكون هكذا كما نحب ملتحقين بما يستجد في العالم، ومتصلين به.
في تلك الفترة، رحنا نتدرب ونجرب أنفسنا في البوح على هذا النطاق الواسع من الإنتشار والعلنية. إذ أننا، في العالم الواقعي، نعرف ما يجب أن نقوله في المقهى، وما هو الكلام والحديث في السهرات، وما هي اللغة التي نستعملها في المقالات، أو العبارات المناسبة في اجتماعات العمل. نعرف أيضاً شروط الكتابة الأدبية وفنونها، اللهجة المناسبة للحديث مع سائق التاكسي.. لكننا هنا على جدار الفايسبوك، كنا أمام حياة ولغة لا خبرة لنا فيهما. كنا كغرباء نصل بلداً أجنبياً، حيث كل كلمة تفضحنا، كل صورة ننتقيها تكشفنا، كل تعبير أو سلوك يدل على هويتنا وعلى مكنوننا أيضاً.
بعضنا راح يكتفي بنشر مقالاته الصحافية، مختزلاً الفايسبوك كوسيلة ترويج إضافية، والبعض الآخر اكتفى بالدردشة على منوال: صباح الخير.. كيف حالكم، كمن يستعمل الهاتف ليتحادث مع أقاربه في القرية بلا كلام فعلي. آخرون ممن يستميتون بحثاً عن منابر بديلة للصحف، التي تخذلهم، راحوا يستأنفون هوايتهم في إلقاء المواعظ أو الخطب والنصائح والحِكم.. فيما لجأ البعض لتجميع النكات ونشرها، أو اعتبر الفايسبوك وسيلة لـاصطياد علاقات عاطفية سرية، أو عابرة، وبعض آخر هو ناشط تقليدي ومتمرس في الميديا والإنترنت، بدأ يستعمل الفايسبوك كوسيلة متعددة الوسائط، لتنظيم الحملات السياسية أو التجارية أوالبيئية أوالإجتماعية... أو لتأليف لوبي لقضية ما.
بدأ فن الستاتوس عملياً بعد الإنتباه إلى جدواه في السجالات التي تنشب إثر كل قضية في الشأن العام. إبداء الرأي والرد على آراء الآخرين، وطرح وجهات النظر والتعليق على الأفكار المنشورة، تأييداً أو معارضة.
فجأة انفتح فضاء هائل السعة للتعبير الشخصي والجماهيري.. فضاء لانهائي يخوض فيه الجميع ويتنافسون على كسب السجال أو التأثير أو المناصرة أو تحشيد الاعتراض، أو اكتساب أصدقاء لا عد لهم، أو تأليف حياة اجتماعية كاملة، موازية أو أفضل من تلك المعيوشة، بلا شروط الجغرافيا أو الزمن أو الحضور الفيزيولوجي.
ما فعله الفايسبوك أنه حقق عياناً الأنوات. كل أنا بات لها البروفايل والسجل والتعريف، والأرشيف الافتراضي ليومياتها، لآرائها، لعدد أصدقائها وماهيتهم. كل أنا مكشوفة ومعروضة للآخرين. وكل أنا مسؤولة عن صناعة نفسها وصورتها، وعن الإنطباع الذي تولده عند الآخرين. وكل أنا عليها العمل كل يوم تقريباً لصيانة أو تحسين أو تثبيت حالها وتأكيد ذاتها في خضم هذه الحياة الإجتماعية الواسعة، التي تتنافس فيها كل الأنوات وتتلاقى وتتواصل.
مع ذلك، ظل الفايسبوك باهتاً، ولم يهتدِ إلى فاعليته ووظيفته إلا مع مطلع العام 2011. فكما كانت المجتمعات العربية، في الواقع، عبارة عن كتل سكانية هائمة وأخلاط فوضوية كئيبة، وانقلبت إلى موجات هائلة من الثورات، خارجة من صمتها وخوفها ويأسها إلى الغضب والتعبير والفعل...مؤلفة لغتها وصورتها، كذلك حدث في الفايسبوك إذ بات هو أيضاً، مع هذا الإنفجار، ساحة للتظاهر والإحتجاج والقول السياسي والمواجهة ورفع الشعارات ووسيلة إعلامية فورية وأداة لبث الدعاوى والتحريض وتنظيم المناسبات والمشاركة في السجالات العامة. وكما الثورات حققت حضور الأفراد والمساواة بين الناس وأبرزت الناشطين الميدانيين وأتاحت الحرية للجميع، كذلك حدث في الفايسبوك من مساواة وحرية وفردانية وديموقراطية. في الشارع انفلتت لغة عمومية بسيطة، مختصرة ومكثفة ونضرة وجذابة، ثورية ومفعمة بالحس النقدي والسخرية والعفوية، مختزلة ونابضة بالذكاء وعمق المعنى وسهولة تداوله. لغة هي من اختراع روح الربيع العربي.
من تلك اللغة، اهتدينا إلى شروط الستاتوس وفنه في الفايسبوك العربي. فكان أول فن ديموقراطي من صنيع الثورات العربية، هو اليوم الجريدة التي يكتب فيها ملايين العرب، بلا رقابة، بلا سلطة تحريرية، بلا ضوابط لغوية أو أخلاقية، بلا خوف. جريدة يقرأها الجميع ويكتبها الجميع بمساواة تامة في الفرص والمشاركة. في كل ثانية هناك ملايين العبارات الشديدة السخرية مكتوبة بالعامية أو بالفصحى، ببلاغة أو ركاكة، أو هي جدية ورصينة، بلغة صحافية محترفة أو بشاعرية، بمزيج من المحكية والقاموسية أو بخليط لغوي محلي وعربي وأجنبي... ديموقراطية لغوية باذخة ومدوخة.
وأكرر هنا ما قلته في مقام آخر، أن ميزة تلك الجريدة الفايسبوكية هي لانهائية صفحاتها، ولا حدود لأبوابها وانشغالاتها وموضوعاتها. هي الجريدة الخيالية التي لا حدود لها. هي أول إنجاز شيوعي على الإطلاق في التاريخ. لا سلطة فيها ولا هيئة تحرير. الجميع له حق الكتابة والجميع له حق التعليق والجميع له حق القراءة وحق الحذف والإضافة... هي مجتمع تساوي الفرص في التعبير وفي الحضور.
الستاتوس بات فناً عمومياً، وبما أن الجميع يكتبه والجميع يقرأه، يمكننا التنبؤ أن الكتابة كفن ما عادت امتيازاً نخبوياً.. وما من سلطة نقدية عليه سوى سلطة التصويت الجماهيري وبلا ذاك الوسيط التقليدي (الناقد)، أي تلك الـلايك المخادعة، التي تصنع نجومية للستاتوس وصاحبه، نجومية قد تسقط سريعاً وقد تتثبت مراراً، تبعاً لقوة كل ستاتوس يكتبه، كامتحان يومي عادل.
الإنقلاب الأهم الذي أحدثه الستاتوس، أنه فوري التحرير والإنتشار، وعلى مدار الثواني. أنه الرأي العام لحظة صناعة نفسه ولحظة الإعلان عن نفسه في لحظة حدوث الخبر أو وقوع الحادثة العامة التي يتداولها الفايسبوكيون. بل أن ثمة أحداثاً لا تقع في العالم الواقعي، وإنما داخل ذاك العالم الكمبيوتري، على الحوائط اللانهائية، في خضم هذا المجتمع الذي يقطنه الملايين، مجتمع تتضاعف فيه الصلات والعلنية والبوح الدائم. وما يحدث فيه من مخاطبات أو سجالات لم يعد هامشياً أو مجرد دردشة قابلة للنسيان. ثمة تواطؤ عام بأن الستاتوس بات بمثابة تصريح يقع تحت بند المسؤولية، يتحمل كاتبه تبعات قوله وكتابته، مثله مثل المقالة الموقّعة، أو البيان الرسمي. ترتب على ذلك الكثير من العناية والتدبير في صياغة كل ستاتوس. بات عملاً متطلباً مثله مثل كتابة الشعر أو النص الأدبي.
إمتياز الستاتوس الأروع يتمظهر في دمقرطة الكتابة والتعبير. إنه فننا جميعاً، وجمهوريتنا نحن مواطنو تلك الرحابة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.