8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لبنان مشروط بهزيمة حزب الله

لا تقوم قوة حزب الله على امتلاكه ترسانة صاروخية، معززة بتشكيلات عسكرية محترفة، مدججة بكافة أنواع الأسلحة وحسب. قوته الفعلية في مشروعه للسيطرة على لبنان، مجتمعاً ودولة وأمناً وسياسة واقتصاد، تكمن في اللاتناسق بين الأدوات والوسائل التي يعتمدها هو وبين تلك التي يلجأ إليها خصومه. ففي حين بات واضحاً مخزون العنف والإرهاب الذي يستخدمه حزب الله، المتهم بمجمل الإغتيالات السياسية، والذي قام في أواخر العام 2006 باحتلال وسط بيروت ومحاصرة مقر الحكومة لمدة سنتين تقريباً، ثم شن في أيار عام 2008 غزوة بيروت الحربية، والمندفع بكل ثقله العسكري في خضم الحرب السورية، والذي استطاع بـاستعراض ميليشيوي، في مطلع العام 2011، إسقاط الحكومة اللبنانية، وهو الذي حرض ونظم مرات عدة عمليات قطع الطرق، والإعتداء على قوات حفظ السلام الدولية (اليونيفيل)، كما أنه المسؤول المباشر عن تأليف ودعم وتسليح المجموعات الميليشيوية، في الكثير من المدن والقرى وحتى داخل المخيمات الفلسطينية. هذا الحزب يسيطر عسكرياً ومخابراتياً على مناطق لبنانية عدة أهمها الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، وأجزاء واسعة من جنوب لبنان، ومن البقاع الشمالي، حيث تعتبر تلك المناطق معاقل أمنية لا تقربها السلطات الرسمية، وخارج سيطرة الدولة الشرعية، وهي بمثابة مناطق سكنية وقواعد عسكرية ومخازن أسلحة له، أشبه بمجتمع اسبارطي مغلق.
وبمزيج من الترهيب والترغيب والتلويح بالعنف والتصفية الجسدية وإثارة الفوضى العامة، يمارس حزب الله الإبتزاز السياسي اليومي، فيستطيع تعطيل أعمال الدولة والإدارة، وإقفال مجلس النواب وإسقاط الحكومات أو منع تشكيلها ومحاصرة رئاسة الجمهورية وتكبيلها، ومنع إجراء الإنتخابات، وتجميد الدستور والتهويل على السلطات القضائية، وتخريب الإقتصاد وشلّ الحياة العامة أو حتى إقفال المطار الدولي.. وبواسطة هذا الإبتزاز ومظاهر القوة يخترق هذا الحزب الأجهزة الرسمية ومؤسساتها، مسيطراً عليها، ومستحوذاً على ولائها، خروجاً ومروقاً على الدولة وقوانينها، حتى بات الحزب دولة خاصة متفوقة على الدولة نفسها.
يفعل حزب الله كل هذا، بدأب وإصرار، على نحو بات فيه لبنان دولة مؤجلة ووطناً معلقاً، معتمداً في ذلك على فعالية تعبئته لطائفة كبرى، الطائفة الشيعية، ورصها كتلة واحدة مطلقة الولاء له، مستنفرة كعصبية أهلية، مصابة بـرهاب لا الطوائف اللبنانية الأخرى وحسب، بل من كل محيطها العربي والإسلامي، عدا عن رهاب الغرب والشيطانين الأكبر والأصغر، أميركا وإسرائيل. وهو رهاب يغذيه حزب الله ويديمه في نفوس طائفته، حرصاً على بقائها هكذا مستنفرة بغرائزها، متوجسة ومسكونة برعب الفناء والمؤامرات، رافداً ومحصناً هذا التكتل الإنفصالي والعدائي بمنظومة مؤسسات تربوية واجتماعية ورعائية ونفعية، كاقتصاد مواز، ممول من الدولة الإيرانية بقدر ما هو ممول أيضاً من النشاطات غير المشروعة عبر العالم والواسعة النطاق.
قوة حزب الله الفعلية تكمن هنا، أي في إحجام اللبنانيين حتى الآن عن الذهاب إلى الحرب الأهلية. يستثمر الحزب نزوع الجماعات اللبنانية حتى الآن إلى تجنب الصدام المفتوح، وتخوفهم الشديد من تكرار تجربة السبعينات والثمانينات في القرن الماضي. ويرى الحزب عن حق أن تهيب الجماعات اللبنانية من الإنزلاق إلى سباق التسلح والإستنفار ومن ثم الذهاب إلى العنف الشامل، هو التهيب الذي يشبه خوف السجين العاجز من إغضاب السجان السادي. لذا، يطمئن الحزب إلى أنه هو وحده من يحتكر العنف والإرهاب والقتل والتهديد بالحرب، ويمتلك حصراً أدوات البطش والفتك بالخصوم، ولا خوف من أي رد فعل مقابل أو مماثل.
وفق معادلة امتناع اللبنانيين عن التفريط بما تبقى لهم من سلم أهلي يشبه قميصاً ممزقاً، مقابل احتكار حزب الله للعنف، وهو مفرط في استخدامه، تتحول السياسة في لبنان إلى حالة عبثية قوامها: فريق ينظم الجنازات لرجالاته وقياداته ورموزه (سياسيين، مثقفين، إعلاميين..)، وفريق يدبر الإغتيالات. فريق يبكي قتلاه مستصرخاً العدالة، وفريق يوزع الحلوى مهللاً للتفجيرات. فريق يقدم التنازلات في الدستور والسيادة والحقوق والكرامة صوناً لفكرة الوفاق والكيان والتعايش، وفريق يقضم الدولة ويوسع هيمنته ويفرض سلطته ويحل دولته على حطام الدولة والنظام والديموقراطية، طاعناً كل ما يشكل وئاماً أو مصلحة وطنية.
في هكذا حال مستمرة منذ تسع سنوات، يتساءل واحدنا عن مغزى بقاء الجماعات والطوائف سوية، بشروط الغلبة والإستقواء والتنكيل العمومي؟ وما الذي يجبرها على هكذا تعايش؟ وما الذي يضطرها لتسليم نفسها صاغرة وذليلة، متخلية عن حقها في مبدأ مساواة المواطنية في الحقوق والواجبات وفي تقرير المصير؟
في العام 2005 قررت أغلبية عابرة للطوائف، مدنياً وسلمياً، استعادة لبنان المستقل والعبور إلى الدولة الحرة والديموقراطية، فقرر حزب الله (والنظام السوري) شن حرب الإغتيالات، مستحوذاً على قرار الحياة والموت، بطشاً بكل سياسة أو رأي أو ديموقراطية، ثم افتعل هذا الحزب عام 2006 حرباً ضد إسرائيل، سارقاً ومصادراً قرار الحرب والسلم من يد الدولة، ورغماً عن إرادة اللبنانيين، سحقاً لكل استقلال وتدميراً لكل عمران وحياة. هكذا، تم الإنقضاض على الدولة والمجتمع، وعلى كل تطلعات عام 2005.
اليوم، يحشر حزب الله كل اللبنانيين أمام خيارين لا ثالث لهما: الإستسلام له أو الذهاب إلى حرب أهلية مديدة وإفنائية. الصيغة اللبنانية، كأنها تحتضر، وعلى وشك أن تشهد أسوأ خاتمة، وما من قدرة لأحد على تجنب هذا الكابوس سوى الطائفة الشيعية نفسها. وحدها هي اليوم المُطَالبة بمبادرة استثنائية، فلا يمكن للبنان أن يستقيم إلا باستعادة الشيعة إليه، إلى متنه. وهذا، للإعجاز، مشروط بهزيمة حزب الله.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00