8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الإعلام صانع الطقس والمأساة

يمكننا الركون باطمئنان إلى فكرة أن الإعلام يصنع السياسة، يحركها، وأحياناً يقودها. يمكن القول أيضاً وبثقة أن الإعلام يصوغ الرأي العام، يوجهه صواباً أو تضليلاً. الميديا المتعددة الوسائط هي حياتنا المعاصرة، هي عيشنا بحذافيره. سلعنا المفضلة، ذائقتنا في الطعام، موضتنا، لغتنا اليومية، الأفكار الشائعة، مزاجنا الصباحي، وتأملاتنا المسائية. العادات المكتسبة وتسلياتنا، ومثالاتنا في السلوك والمظهر، وفي حياتنا العاطفية وتهويماتها أيضاً. الميديا مصنع إنسان ما بعد الحداثة.
بهذا المعنى، كل ما هو خارج تناول الميديا غير موجود، ليس واقعاً. وكل واقع لا يصير موجوداً ولا يتحقق إن ظل خارج الميديا. وآخر إنجازات هذه الميديا كان الإستحواذ على المناخ. موضوعة الطقس والأحوال الجوية هي اللعبة الآن. لعبة الميديا مع المناخ هي آخر مستجدات الإستحواذ على الواقع. وعلى الوعي بالواقع. الحقيقة هي فقط ما تقوله الميديا.
فجأة، قررت منظومة الوسائل الإعلامية أن الأمطار والثلوج والأمواج العاتية والعواصف وانخفاض درجات الحرارة هي حدث استثنائي، حدث لم يسبق له مثيل. وفجأة بات الشتاء مدعاة للذهول والخوف، وحدثاً خارقاً للطبيعة، وسبباً لذعر جماعي، إذ صوّرته وروّجت له ككارثة مقبلة لم تخطر على بال.
قررت وسائل الإعلام أن يصير الشتاء بعبعاً وعلامة على نهاية الأزمان، فبثت الرعب وهوّلت من تبعات وصول فصل الأمطار والثلوج والبرد إلى بلادنا.. ولأن لا حقيقة ولا واقع خارج ما تبثه الميديا وتصنعه، فقد تجاهل الناس عمداً وطواعية كل ذاكرتهم وذاكرة آبائهم وأجداد أجدادهم. تجاهلوا حتى ذاكرة الأرض والجغرافيا والمناخ نفسه، وانساقوا وراء الحقيقة الوحيدة الطالعة الآن من نشرات الأخبار الإستنفارية وتقارير المراسلين الحماسية وآراء الخبراء المتوترين، حقيقة تقول بانفعال بالغ أن ثمة حدثاً مذهلاً على وشك الوقوع: الشتاء!
كذّب الناس كل ما خَبِروه، كل ما عرفوه، وصدّقوا الميديا. أنكروا ما علِمُوه وعاشوه من شتاءات أعمارهم وأخبار شتاءات لا عدّ لها للذين عاشوا قبلهم في هذه البلاد، وركنوا إلى هذه الفكرة الجديدة المتفشية كجنون عمومي: الشتاء بعواصفه الثلجية أشبه بحرب وقعت بغتة. الشتاء تهديد خطير ومرعب. الشتاء غضب إلهي..
ساهم في تغذية هذه الهستيريا الوطنية الشواهد والبراهين التي بثها الإعلام عن الإهمال الفادح في أعمال صيانة الطرق والمجارير، وما نتج عنه - بعد تساقط أولى الأمطار - من إقفال للطرق الحيوية واختناقات مرورية، فبدا الشتاء كفضيحة سياسية ولحظة انكشاف للفساد المتغلغل في حياتنا العامة. وهذا ما سهل على الميديا لعبتها في تعميم هذيان الفزع من الشتاء، بوصفه فصلاً جديداً نشهده لأول مرة، كأنه وباء غير متوقع.
ربما من أجل ذلك، من أجل إضفاء الجدة على هذا الفصل المناخي وحوادثه، بات للعواصف أسماء. والتسمية في الأصل هي الإستحواذ على الشيء، تعيين كينونته. التسمية هي رديفة الخلق: وعلّم آدم الأسماء كلها... قبل التسمية لا وجود. هكذا، ما من عاصفة منذ الآن بلا إسم. والذي يسمي الأشياء هو الميديا. وبهذا الإمتياز، تصير خالقة للحدث، للشتاء وعواصفه. وهذا يشبه إلى حد بعيد إنتاج البرامج التلفزيونية وفانتازياتها.
من يشاهد وسائل الإعلام اللبنانية ويسمعها ويقرأها، يخالجه الظن بأن الحياة باتت لا تُحتمل في هذه البقعة من الأرض، ويروح يتساءل إذا كان هكذا طقس هو كارثة لا قبل لنا بها، فكيف تكون أميركا الشمالية وأوروبا وروسيا قابلة للسكنى؟ كيف للبشر أن يبقوا على قيد الحياة في فنلندا أو كندا أو حتى في تركيا القريبة؟
قبل أن تأتي العاصفة ألكسا بأيام، بدأ بث التوقعات المخيفة، أمر جلل لا راد له. غضب سماوي سينزل علينا. وبمزيج من الإثارة والتشويق، طغى الحدث المرتقب على عقول الناس وأفئدتهم، تماماً كمفعول برنامج تلفزيوني ناجح، أو كمفعول قضية سياسية مصيرية. وربما استأنس اللبنانيون لفكرة أنهم أيضاً على صلة بالعالم المعاصر الذي تصوره الميديا وتروجه: هم أيضاً يحدث عندهم ما يشبه إعصار كاترينا الذي ضرب ولاية لويزيانا الأميركية ودمر مدينة نيوأورليانز، أو ما يماثل إعصار هايان الذي خرب الفيليبين منذ أسابيع عدة. ذاك ما يجعلهم، ولو عن طريق نزول الكارثة، يشعرون أنهم في متن العالم لا على الهامش.
بلغ استلاب الميديا للبنانيين حداً أنهم شعروا بالخيبة والحرج والحيرة، بعد وصول الكسا، إذ تبين لهم أنه هو هو الشتاء الذي يعرفونه. خذلتهم الكسا في اليوم الأول وفي اليوم الثاني، وارتبك الإعلام من هذه الحقيقة، لدرجة أنه، وعلى سبيل مواساة اللبنانيين، راح يبث التقارير العاجلة التي تفيد أن اليومين الثالث والرابع سيكونان فادحين في شدة العاصفة، كما لو أنه بحثاً عن صدقية توقاعاته الأولى صار يتوسل الكارثة توسلاً لاهثاً. فلا يجدر بالميديا أن تكون كاذبة. الواقع فقط هو الكاذب وهو الخدعة.
لهذا السبب وحده، على الأرجح، أي بحثاً عن الدليل بأن ألكسا هي من خوارق الزمان، ومن نوادر التاريخ، تسابقت الكاميرات نحو مكان الكارثة الحقيقية الوحيدة في لبنان: أماكن اللاجئين السوريين البائسة، اللاجئين المتروكين في العراء. هكذا، تحول أولئك إلى ضحايا مرتين، مرة على يد النظام السوري بحربه عليهم ، ومرة أخرى بالبرد والصقيع.. تحت أنظار الكاميرات المتعطشة لإنتاج برنامج الكارثة.
فقط، قلائل هم الذين انتبهوا أن لا الشتاء ولا الكسا هما سبب مأساة أولئك اللاجئين، بل وقوعهم في لبنان فساد السياسة والإعلام.. والأخلاق.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00