8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لم تقل إيفانا الرهيبة ما لا نعرفه عن محمود درويش

تأخرت إيفانا مرشليان عن نشر حوارها المطوّل مع محمود درويش، والذي دوّن أجوبته بخط يده، قبيل أيام من نهاية سنة 1991، في أثناء إقامته بباريس. هناك، حين كانت إيفانا الرهيبة (حسب وصف درويش لها، ربما تيمناً بـإيفان الرهيب) تكمل دراستها الجامعية، وتعمل صحافية لدى إحدى المجلات العربية، التي كانت مزدهرة حينها، ستلتقي بالشاعر الأحب إلى قلبها، كما لو انها تحقق أغلى أمنياتها، طالما أنها كتبت رداً على سؤال في الامتحان الاختباري الأول في كلية الإعلام ببيروت لماذا تختارون الصحافة مهنة لكم؟ مجيبة: لأحاور يوماً.. محمود درويش.
الحوار غير العفوي، المدّبر والذي تم تحضير أسئلته مسبقاً، واستلزم من الصحافية أربع زيارات رسمية على الأقل إلى منزل درويش، والذي اختلى أمسيات عدة لوحده كي يكتب أجوبته منتقياً الأسئلة التي تروقه، وحاذفاً منها ما لا يريد الإجابة عنه.. هذا الحوار، الذي يبدو بمثابة درّة عمل إيفانا الصحافي، تأخرت هي في نشره لأكثر من 22 عاماً تقريباً. وفي أثناء هذا التأخر، أجريت عشرات اللقاءات الصحافية المكتوبة والمتلفزة مع درويش، قبل رحيله في آب 2008، ونشرت حوارات أخرى بعد غيابه (بوصفها غير منشورة من قبل أو من قبيل الحوار الأخير)، وهي تتضمن في مجموعها ومتفرقها معظم آراء الشاعر في الشعر والحياة والموت والسياسة والتاريخ، كما علامات ومرتكزات سيرته وذاكرته، وهذا ما قدمه حوار مرشليان من غير إضافة أو استثناء، خالياً من أي مفاجآت، إلى حد أن قارئه يظن أنه يطالع مادة أرشيفية معروفة وحسب. ولا ندري ما المغزى من الإشارة المطبوعة طيّ الغلاف يتضمن الكتاب صوراً لمحمود درويش التقطت له في باريس وتنشر للمرة الأولى. وهي صور عادية، ولم يكن الشاعر متخفياً، ولا كانت إقامته في العاصمة الفرنسية سرّية، وهناك الكثير من الصور الشبيهة المنشورة.
الصور الفوتوغرافية الخاصة، وطبع الحوار مكتوباً بخط يد الشاعر، لا يعوضان عن أثر الفوات والتأخر. خصوصاً وأن هذا الحوار أجري أثناء تحضير درويش كتابه أحد عشر كوكباً (1992). ونحن نعرف أن درويشاً ثانياً إذا صح التعبير سينطلق بتجربة شعرية منذ ذلك الكتاب، ومع لماذا تركت الحصان وحيداً (1995) وجدارية (1999) وحالة حصار (2002) ولا تعتذر عما فعلت (2004) ثم كزهر اللوز أو أبعد (2005) بالإضافة إلى نصوص في حضرة الغياب وأثر الفراشة. وبهذا المعنى، ستتطور أجوبة درويش ولغته ورؤيته أبعد بكثير مما قاله في حواره مع مرشليان.
لم تبح لنا بأسباب هذا التأخر والتمنع عن النشر طوال أكثر من عقدين، بما ينافي غريزتها الصحافية. ولم تقل لماذا قررت الآن نشره، وما الدواعي التي حفزتها إلى إخراجه للعلن الآن، خصوصاً وأنه لا يحمل أسراراً ولا مفاجآت.
ليس الحوار، على وجاهته ورصانته وقوة أجوبة درويش وأريحيته، سوى احتفاء مدبّجته بالشاعر وقصائده، وتكريماً لتجربته وتوقيراً لمنجزاته. عدا ذلك، يخلو من أي إشكالية أو سجال أو استنطاق للمسكوت والمخفي، أو استكشاف للغامض والملتبس. هو حوار تمت صياغته بعناية وحذر ليكون كلاماً أدبياً، تأملياً، يعكس نثرياً ما يكتبه درويش شعرياً. وقد بدا كل ذلك قديماً حتى قبل غياب الشاعر.
لم تتجرأ مارشليان على كشف أسباب تأخرها في إشهار هذا الحوار السري (وصوره!) وإن تذرعت بقول درويش لها ليس الآن.. خبئيها معك وحافظي عليها جيداً (تلك الأوراق المكتوبة بخط يده). كتمانها هذا، ليس تاماً. فالمقدمة التي كتبتها تجعل القارئ الخبيث يلتقط التلميحات المقتضبة، الشديدة الخفوت، التي يمكن تأويلها بوصفها دليلاً على أن ما جمع إيفانا الرهيبة بالشاعر هو أكثر من مجرد لقاء صحافي. إشارات خجولة وضئيلة مبثوثة في المقدمة تجرّ القارئ إلى الظن بما هو أبعد من إرتشاف فنجان قهوة بينها وبين درويش، وأبعد من لباقته في دعوتها إلى عشاء بمطعمه الصيني المفضل، بل وأبعد من تلك النزهات، في مسايا باريس الغامضة كما تكتب وتضيف مخاطبة إياه كنت خلالها تتأبط ذراعي لتسمعني كلاماً، تتمنى أي إمرأة أن تسمعه.
على الأرجح، لم تتأخر مارشليان في نشر حوارها، الذي لا يضيف ولا ينقص شيئاً من إرث الشاعر، بل هي كتمت اللقاء أو العلاقة (بغض النظر عن نوعية العلاقة ودرجتها)، وخبأت لا النص والكلام لكن الواقعة وذكرياتها الباريسية، التي تبدو أشبه بقصة سينمائية رومانسية ونموذجية (هكذا نتخيل مستعينين بتلميحات المقدمة الحميمة).
وفق هذا الظن والافتراض، فإن صدور نص الحوار في كتاب أنا الموقع أدناه محمود درويش بحضور إيفانا مرشليان، هو في قيمته ومغزاه الخاص إعلان رمزي موارب وضمني عن ذكريات أيام باريسية، عزيزة على قلب الصحافية، وربما أيضاً على قلب محمود درويش. وإن صح ذلك، تكون مارشليان قد اقترفت الخطأ ذاته مرتين، أي حين تأخرت تأخراً فادحاً في نشر الحوار من غير مسوغ مهني، وحين نشرته الآن، مؤجلة بذلك، تأجيلاً فادحاً نشر ما يجب أن تكتبه عن وقائع ويوميات باريس. وبناء على ذلك، يمكن القول أن هذا الكتاب الحوار، وكما يحدث عادة في مجريات الثقافة العربية، هو عبارة عن وأد رمزي للكتاب الآخر الذي لم يولد، الحقيقي، الكاشف، الذي يروي ويبوح.
لم تقل إيفانا الرهيبة ما لا نعرفه عن محمود درويش، لم تكتب ما كان يسوغ لها إصدار كتاب حقيقي، وحميم حقاً ويضيء ربما على فصل من سيرة صاخبة وشخصية وملهمة روائياً. لذا سيظل ما اقترفته مارشليان هو فوات إضافي.

[ أنا الموقع أدناه محمود درويش (بحضور إيفانا مرشليان)، دار الساقي، بيروت 2014.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00