8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حياتنا الطبيعية بجوار الحرب

كأنها حياة إضافية هذه التي نحياها حتى الآن منذ سنوات عديدة. لدينا شعور أننا كسبنا، بفائض حظ، مدة إضافية من العيش بسلام نسبي. محض حظ إننا لم نقع بعد في دائرة الموت والرصاص والقذائف. كأننا فزنا من غير مسوغ منطقي بهدنة مديدة، تتيح لنا استيقاظاً عادياً ونوماً عادياً.
نجحنا حتى الآن في مراوغة ذاك الاستحقاق الذي دوما يبدو انه على وشك أن يداهمنا، ويفرض علينا إنفاذه وإقراره. اننا نتحايل عليه بقليل من الدراية والكثير من الحظ. نتجنبه ونناور من حواليه، وإن لم نستطع بعد أن نبتعد عنه كفاية.
نحن تقريباً مندهشون كيف أن الحرب لم تنشب بعد، رغم وقوع كل أسبابها، ورغم استعداد الجميع لها، ورغم كل المقدمات النظرية والدعاوى والفتاوى بوجوبها، ورغم كل الاستنفارات والتحضيرات النفسية والمادية لها.. ما زلنا نعيش من دونها. وهذا بالضبط ما يجعلنا شبه مغتبطين يومياً بأننا نتمتع بحياة عادية، بحرّية أن نسلك الطرق التي تناسبنا، أن نخطط لعطلة نهاية الأسبوع وفق ما يحلو لنا، أن نتجول من بيروت باتجاه أي منطقة أخرى (تقريباً). أن نسهر ونداوم في أعمالنا ونلهو ونتسوق، وأن ننام في أسرتنا لا في ملجأ.
نحن ندرك أن هذا يرتقي إلى سوية الإمتياز والحظ الفائق، وربما العناية الإلهية. ندرك أكثر أننا استنفدنا الكثير من رصيد السلم الأهلي الذي قارب الإفلاس. بل ربما كان سلمنا الهش الباقي مجرد دين واقتراض يفوق طاقتنا على استدامته وتدويره، ودفع فوائده، ولن نجد أحداً يعاوننا على دفع تكاليفه.
ندرك أيضاً أن الحرب مؤجلة لا مستبعدة. وفي الأثناء تداعب مخيلتنا، تحضر في أحلام يقظتنا، في توقعاتنا، في مناماتنا، أطيافها لا تغادرنا، إنها يقيننا المؤرق، بقدر استغرابنا لحال السلم الذي ننعم به، حتى هذه اللحظة.
نحن تقريباً نحيا ببلد في حال حرب، من دون وقائعها وبلا معاركها، هذه معجزة لا ندري إلى متى تستمر. نحيا يوميات عادية مسالمة وطبيعية، لكن من دون السهو عن خطر انفلات العنف في أي لحظة، ذات صباح أو ظهيرة أو مساء. كل حادثة تدفعنا لترقب اندلاع المعارك فجأة وعلى نحو شامل. لدينا مخزون هائل من كراهيات الجماعات مضاف إليها مخزون كبير من الأسلحة. ولا نعرف مصدر هذه المناعة التي تلجم الحرب أو على الأقل تؤجلها كل مرة.
إننا مذهولون حقاً من نجاتنا طوال السنوات المنصرمة، فلا امتلكنا جيشاً قوياً رادعاً بوجه الجماعات والطوائف وأهوائها، ولا استطعنا صون الدولة وإعلائها فوق العصبيات الأهلية المتحاقدة، ولا اعتصمنا بميثاقنا ودستورنا ووثيقة وفاقنا الوطني. نحن متخاصمون في كل شيء ومتنافسون على كل شيء ومتنابذون بكل شيء.
عملياً ليس لدينا حكومة، ومجلس نواب الأمة بين المصادرة والتعطيل (إثر الغاء الانتخابات) والمؤسسات الأمنية، رغم فعاليتها التقنية، محاصرة بالانقسام الأهلي والسياسي، وفائض قوة الأمن الذاتي للجماعات. وعملياً ليس لدينا سياسة عامة وطنية ينصاع لها الجميع، بل على الضد من ذلك، نحن في حرب سياسية أهلية كاملة.
الحرب تعبرنا ولا تستوطن عندنا، إن صح التعبير، هي عوارض تظهر وتختفي في كل حين. نحن ننسى مثلا أن حال حدودنا الجنوبية مع أقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط لم تنتقل من وقف الأعمال العدائية إلى تثبيت وقف إطلاق النار وتوقيع هدنة. بل إن هذه الحدود خارج سيطرة الدولة، وهي بيد الفصيل المدجج بالصواريخ نفسه الذي افتعل حرب تموز 2006 وحليف الدولة الإيرانية وذراعها العسكرية، والمتورط في الحرب السورية إلى حد مصيري. نحن ننسى أن الحرب السورية ذاتها تتوازى وتتكامل مع الصراع اللبناني ـ اللبناني الذي ولّده الموقف من وصاية النظام السوري وأجهزته الاستخباراتية (الإرهابية) على لبنان في السنوات الماضية، ليتفاقم ويتخذ طابعاً مذهبياً انفجر في 7 أيار 2008 وخمد بعد اتفاق الدوحة، من دون أن ينطفئ، فيشتعل في صيدا (حرب الأسير) حيناً، وفي طرابلس أحياناً كثيرة، وما بين اللبوة وعرسال وشوارع بعلبك مرات ومرات، بل وفي قلب بيروت أحياناً متشتتة. ولا ندري كيف أن الحظ يسعفنا فلا تستمر تلك الانفجارات والصدامات وتنفلت حرباً شعواء.
كأننا جاهزون للحرب، لكنها هي ليست جاهزة بعد. تعبرنا وتأتينا ثم تتوارى. فلا نعيش سلماً راسخاً، ولا ننزلق إلى دوامة الموت. إننا في ذاك البرزخ الذي يبقينا على حافة الرعب والخوف.
وعلى الأرجح، هذا نمط جديد من الحروب الأهلية، يتجاوز اللبننة و البلقنة، وأشبه بالعرقنة. هذا ما تقترحه التفجيرات التي طالت مساجد طرابلس، وتطال اليوم شوارع الضاحية الجنوبية. هي حرب خفية، تتيح لنا وهم العيش العادي والطبيعي وترقب الموت قتلا في كل حين.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00