8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

أيام استانبولية

طوال أيامي الأربعة في استانبول، قاطعاً المسافات الشاسعة والطويلة بين وسطها التجاري والسياحي وأطرافها المترامية، كنت باستمرار أبتلع الدهشة والحسرة معاً، الإعجاب والأسى في آن، طالما أني فيها أشهد المعجزات الصغيرة والكثيرة، وأتذكر العجز الكبير والتراجع المتفاقم لأحوالنا وأحوال مدننا.
عاصمة الإمبراطوريات المتعاقبة، ثم المدينة الإقتصادية والسياحية والثقافية الأولى لتركيا الحديثة، يبدو أنها انتقلت في عقد واحد من الزمن، إلى أن تكون مدينة عريقة للمستقبل، جاهزة ومستعدة لتكون بدورها مدينة العالم، ومرتكزاً لحياة جديدة، وشريكة في تأليف نموذج حواضر القرن الواحد والعشرين، المعقدة واللاهثة.
كنت أستكشف استانبول، في زيارتي الرابعة لها خلال عشر سنوات، ملاحقاً سرعة التحول والتبدل، أو بالأحرى التوسع الذي لا يتوقف، والأعمال الكبرى التي تغير من ملامح المدينة وبنيتها، والإضافات المستمرة في كل أنحائها، التي تجعل نموها قياسياً وباهراً. ولم تفارقني خاطرة ان ما أشهده أمر يشبه استيقاظ مجتمعاتنا في أواخر القرن التاسع عشر على واقع أن المدن العربية كانت لا تزال تقبع في القرون الوسطى، شبه ميتة، بينما الرحالة يصفون باريس ونيويورك ولندن في ذاك الزمن، زمن صدمة الحداثة.
قلت لصديقي بكر صدقي، رفيق أيامي الاستانبولية، كيف أن مدننا الكبرى، كالقاهرة مثلاً قد فوتت الفرصة، بل أنها تتقهقر إلى مصير عشوائي، فابتسم بمرارة، وهو الآتي لجوءاً وهرباً من مدينته حلب، هذه المدينة التاريخية، كبرى حواضر الشام التي لا تتخلف عن استانبول أو حتى القاهرة، بل هي ذهبت إلى الدمار والخراب، إلى مصير بائس.
قبل أيام قليلة من وصولي إلى استانبول، كان شاكر الأنباري يصف لي في بيروت كيف ان بغداد غارقة في دوامة اليأس والموت والفساد والانحلال، هارباً منها إلى منفاه الاسكندنافي.
الفتاة الاستانبولية، اليسارية المتوثبة، التي شاركت في احتجاجات حديقة غيزي وتظاهرات ساحة تقسيم، كانت تقول بلغة عربية واضحة: كانت معركتنا ليست لإسقاط النظام كما يحلو لبعض العرب أن يظنوا، بل من أجل أن نحافظ على طابع استانبول، وعلى وجودنا، وعلى حصانة الحريات، وعلى شراكتنا في صياغة تركيا الجديدة، وعلى وضع حد لجموح تحالف السلطة والمال.. لكننا فخورون بنجاحات مشاريع التحديث، وبكل هذا الازدهار الاقتصادي ونمو الثروة الوطنية.. نضالنا هو لتوسيع دائرة المستفيدين من البحبوحة، ولتحقيق أكبر قدر من العدالة الاجتماعية.
كانت مبتهجة وهي تفسر لنا أهمية القرارات التي اتخذتها الحكومة في اليوم نفسه، كتعليم اللغة الكردية في المدارس الخاصة، والسماح بارتداء الحجاب في الدوائر الحكومية، عدا الشرطة والجيش والقضاء، كذلك إلغاء إلزامية ترديد النشيد الوطني في المدارس الابتدائية، كما رزمة الإصلاحات في النظام الانتخابي، وقانون الأحزاب.. معتقدة أن تركيا الأتاتوركية تتأقلم مع تركيا التعددية، وتركيا العلمانية تستوعب وتتصالح مع تركيا الإسلامية، وتركيا القومية تتقدم الى تركيا الديموقراطية الليبرالية.
يحدث هذا، فيما الدعايات السياسية المنتشرة على امتداد استنابول تنحصر بخطط التوسعة الكبرى لشبكة المترو، والمتروباص، والترامواي، وشبكة الطرق والجسور والمرافئ، والخطة الطموحة لبناء أكبر مطار في العالم، تكون قدرته الاستيعابية نحو 150 مليون مسافر في السنة. ونحن المتنقلين على امتداد عشرات الكيلومترات بين أطراف استانبول ومراكزها، كنا نشهد مدناً كاملة، بالمعنى الحرفي للكلمة، تُبنى أو هي باتت منجزة لتكون ضواحي جديدة تستوعب ملايين السكان الجدد، أو بالأحرى تستوعب ملايين الفقراء سابقاً، والذين التحقوا في زمن قياسي، إعجازي، بالطبقة الوسطى.
ليس الاقتصاد وحده، ولا الفورة العمرانية الهائلة، ولا التطوير السياسي فقط، لكن ما يصنع ويدل على مسار التحول الاجتماعي، وعلى نجاح الدولة، وعلى الانسجام الوطني، وتضامن السكان وتواطئهم على هوية يؤلفونها للتو، نرى إشاراته، في استانبول، في الحياة اليومية التي تبرز فيها حظوة المؤسسات المدنية، وتنشأ على أساسها عصبيات جديدة، عصبية للمدينة، تبتكر رموزها وتنظم إيقاعها وتؤثر في مزاجها، كمثل تكاثر الجامعات وانتشارها حيث تظهر قوة الشباب، وتتطور فيها الكفاءات البشرية المستقبلية، أو كمثل سطوة أندية كرة القدم وحضورها الطاغي على التفاصيل اليومية وارتقاء مستواها دولياً، وخصوصاً في تنافسها الأوروبي.
في عقد واحد تضاعفت القدرة الشرائية لعموم المواطنين الأتراك، وغادر الملايين منهم الفقر، إلى الابد. فيما الضواحي المشيدة التي نرى مواصفاتها كأنها امتياز للأغنياء، للقلة في بلادنا، ها هي مخصصة للغالبية العظمى من الأتراك.
وعلى الرغم من قلة اطلاعنا على الأدب التركي، لكن ما قرأناه في أزمان سابقة ليشار كمال وناظم حكمت وعزيز نيسين ونديم غورسال.. وما نقرأه حديثاً لأورهان باموق وأليف شفاق ولطيفة تكين، نستشعر ذاك الانتقال من عصر الجمهورية الأتاتوركية ومعضلاته، خصوصاً معاناة الريف ومجتمع الكدح والفقر، الى عصر تركيا الحديثة وصراحتها في مراجعة التاريخ من جهة، وفي تفاؤلها المدني، وهواجسها الاستهلاكية، وبروز أسئلة الفرد، حتى إن الأدب نفسه، كصناعة ونشر وطباعة وتسويق، انتقل الى مستويات ما بعد المحلية.
استانبول، فضيحة مدننا.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00