8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

موت المسيحيين وهجرتهم من بلاد الإسلام!`

المذبحة التي طالت العشرات من الأقلية المسيحية في باكستان، إثر التفجير الانتحاري المزدوج، تزامنت مع المجزرة التي أوقعت أيضاً العشرات من الضحايا المسيحيين المحليين والأجانب في نيروبي، في كينيا، والتي ارتكبتها مجموعة من الإسلاميين المتشددين داخل مول تجاري، حيث انتقت ضحاياها عمداً من غير المسلمين. وسبقت الحادثتين أعمال قتل وحرق منازل وكنائس في بلدة دلجا بصعيد مصر، على يد جماعات إسلامية متطرفة عاونتها الغوغاء من سكان البلدة.
وتتصل تلك الحوادث بلا انقطاع بتاريخ مستمر من الأعمال الإرهابية والقتل والخطف والتهجير القسري، التي تطال المواطنين المسيحيين وأملاكهم في بلدان الأغلبية المسلمة، من نيجيريا والسودان إلى باكستان، مروراً بمصر وسوريا والعراق. وإذا كان المسيحيون في بلدان إسلامية أخرى في مأمن نسبي من الإرهاب، فهم على الأقل يحتاجون دوماً إلى حماية الدولة أو هم ضحايا التمييز الاجتماعي والسياسي، ويغالبهم الشعور بالحصار والضعف والدونية واللاأمان.
ويترتب على هذا المسلسل الدموي والعنيف، المستمر، كما على فشل ثقافة المساواة والتسامح والتعايش، هجرة واسعة ومتواصلة للمجتمعات المسيحية، وبعضها يشكل الأصل التاريخي لهوية البلد، ونواته الحضارية الأقدم. كما يشكل بعضها الآخر النخبة الاقتصادية والثقافية والإدارية ومرتكز النشاط الحضري والزراعي والتجاري والسياسي. ما يعني أن نزيف هجرة المسيحيين يسبب افتقاد بلدانهم الأصلية للكثير من مقوماتها الحضارية وتمزيقاً يصعب رتقه لنسيجها الاجتماعي، وخسارة فادحة ونوعية لتنوعها الثقافي ولذاكرتها التاريخية ومقوماتها التنموية والعمرانية، عدا عن معالم الانحطاط الاقتصادي، وبوار المناطق الريفية الزراعية وهروب الرساميل وانعدام الاستثمارات، وتراجع التعليم، فيما يصيب العقم ما هو غير قابل للتوصيف العياني: التلاقح الاجتماعي والاختلاط والمعاشرة ومعايشة التنوّع.. أي إفقار الحياة وإدقاعها.
بديهي القول أن أغلبية المواطنين المسلمين تستنكر الاعتداءات على إخوانهم في المواطنية من غير المسلمين، بل إن جلهم يستنكر الإرهاب الذي يطال الأجانب أيضاً. لكن هذه الأغلبية المسالمة لا تبتعد في إيمانها عن العداوة التقليدية للغرب وكرهها له. كما لا تبتعد عن الإيمان بأن مواطنيهم المسيحيين حلفاء موضوعيون وسريون لذاك الغرب، واقل ولاء منهم لـالأمة. كذلك تنتشر بين أغلبية المسلمين ثقافة أحقية الأغلبية وغلبتها، وثقافة الغيرة على الدين ووصم الآخرين بـالكفار او حتى النجاسة، وتقدم هويتها الدينية على هويتها الوطنية، فيما تزيد بينهم حظوة تطبيق الشريعة (بتأويلاتها المتشددة والقديمة) على حظوظ القوانين الوضعية المدنية، والمساواتية. وهذا ما نراه في معركة الدساتير في معظم الدول الإسلامية، خصوصاً اليوم في تونس ومصر وباكستان.
على هذا النحو، فان الاسلام المعتدل الذي يستنكر الإرهاب والاعتداءات على المسيحيين، يقصر استنكاره على العنف من غير قدرة على كبح أسبابه أو تجفيف منابعه، بل هو يتردد في إخراج فاعليه من ملّة المسلمين أو في نزع إسم الإسلام عن جماعات الإرهاب والعنف، التي وهي في قتلها للأبرياء (معظم هؤلاء يكون من المسلمين عادة) تكثر من الاستشهاد بنصوص تراثية، لا تشكيك فيها ولا مراجعة لها حتى الآن، تبرر فيها أعمالها وتشرعنها. وكذلك، هي تستند في أفعالها إلى فقه لم يجر حتى اليوم إصلاحه أو نبذه أو تصويب تأويلاته. حتى أن هذه الجماعات تبدو كأنها إسلامية أصيلة وما عداها إسلام أقلّ. وهذا إحراج عظيم لم يعمل الإسلام الرسمي على تبديده، وهو الذي يحار في أجوبة أساسية تبدأ من حقوق الإنسان ولا تنتهي في قوانين الميراث وزواج الفتاة القاصر.
ويفاقم من أزمة المجتمعات الإسلامية تجدد الصراعات المذهبية فيها وتشابكها مع الصراعات السياسية والقومية والقبلية، فيتشعب العنف والإرهاب والتمييز لا ليطال غير المسلمين فقط، بل أتباع المذاهب الإسلامية المتباينة أو المنتمين لإثنيات مختلفة أو ذوي الأصول القومية المغايرة، كما يحدث في باكستان وأفغانستان وإيران والعراق وسوريا والصومال والسودان ومصر.. وصولاً إلى نيجيريا.. وسرعان ما يسري العنف حتى ضمن أتباع المذهب الواحد المتعددي التيارات بين صوفية أو سلفية أو جهادية، إلى حد يستحيل معه تحديد تلك الفرقة الناجية، الصحيحة الإيمان.
هذا كله يقوم بتقويض الدول والمجتمعات، ويخرجها من مسار التاريخ الى ظلمات الفتنة ومهالكها، ويحيل البلدان إلى أرض جدباء وقاحلة، يسود فيها الموت واليباس والخراب والفقر الشديد. فمن فشل الدولة الطالبانية الموصوف في أفغانستان إلى انسداد طريق الخمينية، إلى سقوط الدولة الإخوانية، إلى فوضى الإسلاميات والعصبيات الإنتحارية بين العراق والصومال، يرتسم مسارالإسلام السياسي الذي بات يطرح هو بالذات، كتبعة لتجربته، التساؤل الخطير والتاريخي: متى يبدأ الإصلاح الديني العميق، المؤجل منذ قرون؟!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00