صديقنا العراقي جاء بعائلته من العراق إلى بيروت، تحضيراً لهجرته إلى أوروبا: ما عاد بوسعنا التحمّل، التفجيرات والقتال المذهبي والإرهاب والقتل اليومي، يبدو في بغداد كأنه سيستمر إلى الأبد.
أين أنت يا شاكر أقول له، كي أمرّ وآخذه في جولة سياحية ببيروت. في الطريق الجديدة، يقول. أنطلق من عين الرمانة نحو الطيونة حيث جنود الجيش اللبناني منتشرون، وأتعجب إذ لا زحمة سير كما العادة في هكذا أوقات. أنتبه أن الذهاب باتجاه الضاحية ومدخل صبرا ليس آمناً منذ متفجرة الرويس، فأنعطف باتجاه المتحف. أصل إلى خط البربير كورنيش المزرعة، وأتذكر ما يتداوله الناس من تنبؤات المنجمين عن تفجيرات ستطال هذه المنطقة. أنظر متوجساً إلى جانبي الطريق: كل سيارة متوقفة هي مشروع انفجار.. يسري الخوف في مفاصلي، أضغط على دواسة البنزين مسرعاً كخفقان قلبي المتسارع، مجتازاً جامع جمال عبدالناصر، مسترجعاً صور تفجيري طرابلس أمام مسجديها. المرور قرب المساجد بات خطراً، أقول لنفسي. لكن ما إن أقترب من ساحة الكولا حتى أتخيّل مشهداً مرعباً: هذه الساحة هدف مثالي للتفجير.. كيف السبيل لتجنبها؟ أدخل في طريق فرعية متجنباً هذه الساحة المشبوهة. ها أنا في الطريق الجديدة أخيراً.
أركن السيارة جالساً فيها منتظراً صديقنا العراقي، مفتكراً كيف كان يعيش في بغداد السيارات المفخخة يومياً. بغتة، أنتبه حسب الشائعات ونبوءات العرّافين المتداولة بكثافة بين اللبنانيين، أن الطريق الجديدة أيضاً هي هدف معلن، بل هي وحسب الخطة الجهنمية والعقلية الإرهابية هي منطقة مستهدفة جداً. أنظر إلى السيارات التي أمامي وخلفي، أنظر إلى عيون المارة ونظراتهم، أنظر إلى أصحاب المحال والشبان الواقفين على الأرصفة، أنظر إلى البنايات والعابرين: ربما أنا في قلب دائرة التفجير المحتملة في أي ثانية.. ربما بعد برهة سأتحول إلى جثة متفحمة. تسري في بدني الرعشة. دقيقتان لا تُحتملان من الانتظار.
أنطلق بصحبة شاكر العراقي على عجل، متجهاً صوب الحمراء. أجتاز طريق تلة الخياط.. وأتحسب فوراً أني سأمر بـعائشة بكار. هذه منطقة أخرى مغرية للسيارات المفخخة، ولا يمكنني تجنبها، اشعر أني نجوت بعد عبورها.
ها نحن في الحمراء. أقرر أن اركن سيارتي في شارع خلفي وأضع بطاقة التعريف الشخصية ازاء الزجاج الأمامي تحوطاً من اي اشتباه. إلا أنني أفكر ان الحمرا قد تكون مرشحة لتفجير ارهابي يحدث تأثيراً مروعاً في حياة اللبنانيين، فعندها ستصاب المدينة بالشلل التام. أمشي بخطوات مسرعة وصولاً الى المقهى ولا يفارقني التوتر. الحديث المتبادل بيننا هو بطبيعة الحال عن الفتنة المذهبية والتجربة العراقية والسيناريو المفترض في لبنان. الحمرا بلا عجقة ولا زحمة. وما إن يسألني شاكر عن وسط المدينة (الداون تاون) حتى أقول له لنذهب الى هناك ففي ظني ان وسط بيروت قد يكون آمناً أكثر من الحمرا.
في الطريق من رأس بيروت الى ساحة الشهداء الحركة شبه معدومة، سيارات قليلة وعابرون اقل ودوريات الجيش. لكن وسط بيروت نفسه شبه خال.. الأسواق شبه نائمة، المقاهي شبه شاغرة. نتجول قليلاً في هذا الفضاء الصامت حيث يداخلنا الضجر بدل الخوف، أقترح على صديقي التوجه نحو الأشرفية، ظناً مني أنها أكثر أمناً من مناطق المسلمين. ولا بد أن الحياة هناك أكثر حيوية وطبيعية من بيروت الغربية.
هذا الظن سيتبدد عندما ندخل الى المول الكبير الذي عادة ما يعج بالآلاف من الزبائن والزوار: تقريبا لا أحد. أسأل أحد العاملين لماذا لا يوجد أحد في المول؟ يقول ان الشائعات الرائجة ترجح عملية تفجير في المولات. ويروي لي أحدهم أن شيخاً دخل بسيارته الى الموقف الكبير الذي يسع مئات السيارات، فهرع بعض الناس مرعوبين اشتباهاً بهذا الشيخ وسيارته، وانقضّ فوراً رجال الأمن على سيارته وبدأوا تفتيشها وهرب كل من كان في المول، قبل ان يتبين ان لا أساس لهذه الشبهة (وتم الاعتذار منه).
عندها أدركت ان الجولة السياحية في بيروت باتت منذ الآن فصاعداً، مستحيلة. التجول نفسه من المنزل إلى العمل إلى السوق بات مغامرة. أفكّر بأهل طرابلس، أفكّر بسكان الضاحية الجنوبية، أي كابوس يعيشونه. أستعيد من ذاكرتي سنوات الثمانينات الرهيبة والمندلعة بعشرات السيارات المفخخة في أحياء بيروت البائسة، أنظر إلى صديقي العراقي الهارب من جحيم بغداد ورعبها الدموي اليومي وأطنان الـتي.أن.تي ومئات المجانين الانتحاريين والموت المستشري من شوارع باكستان وأفغانستان والعراق وسوريا.. وها هو يصل إلى لبنان. أنظر إلى صديقي العراقي، متخيلاً نفسي وأسرتي أخيراً، عند باب سفارة أوروبية، مع عدم إخفاء حسدي لزميلي الآتي من أرض الرافدين، فهناك موت كثير لكن لا عرّافين دجّالين يوزعون أشباح المتفجرات أكثر مما يزرع الإرهابيون متفجرات حقيقية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.