8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حرية مصر الضائعة بين انقلابين

ليس الإخوان المسلمون ديموقراطيين، لا فقهاً ولا سلوكاً. لكنهم احتكموا إليها، بعد الثورة المصرية، وسيلة للوصول الى السلطة. يمكن القول إنها كانت تجربة مفتوحة على احتمالات شتى، منها مماثلة النظام الإيراني أو مماثلة التجربة التركية، أو حتى تجديد النظام البطريركي في مصر بنموذجيه الساداتي والمباركي، من غير إغفال ذاك الاحتمال الباكستاني الفوضوي والمضطرب.
كان من الصعب على هذا التنظيم العقائدي، المشبع بثقافة التقية والباطنية، والذي يتوهم ذاته كـفرقة ناجية، أن يدخل الحياة السياسية بعد الثورة، مشرّعاً ذاته على هواء العلنية وتضارب الأفكار والتجارب وتداول الرأي، وتحمل مسؤولية إدارة الدولة والمجتمع والمنازعات والمطالب، متخلياً عن وهم احتكار صحيح الدين (والعقيدة) ووهم احتكار صحيح الرأي (والتدبير). والأسوأ أنه لم يتورع عن وهم احتكاره ملكية الثورة ذاتها.
وهو إذ أباح لنفسه إبرام صفقة سرية مع الجيش، وحسن علاقة مع الإدارة الأميركية، أو الحفاظ على عقلانية معاهدة السلام مع إسرائيل، استهجن ذلك على الآخرين ووصمهم بالخيانة والخبث والعمالة.. إلخ.
كانت غريزته الحزبية تدفعه الى أن يكون فئوياً، في اللحظة ذاتها التي حصل بها على تفويض عمومي ديموقراطي بالحكم. فئوية قائمة على عدم ثقة بمن هم خارج الجماعة والعشيرة، وتترسب فيها نظرية الهجرة والتكفير. وقد ترجم الإخوان المسلمون كل هذا في الدستور وفي تلافيف صياغته، فجعلوا النظام السياسي في مصر، قائما على توطيد كيان الجيش فوق المحاسبة والمراقبة، على ظن أن ذلك يضمن ولاء المؤسسة العسكرية لهم، ثم توطيد الجامع الأزهر كسلطة وصاية وتشريع، على ظن التمكّن من مشيخته وجامعته ومركز الفتوى والاجتهاد والقضاء، ثم تأصيل التمييز تجاه المسيحيين وسائر الأقليات، والتهميش تجاه المرأة وضعاف المجتمع. كان دستوراً يدعي من ناحية الأسلمة، ما يقوّض المواطنية. ويكرّس الأخونة، ما يقوّض الديموقراطية.
بدت تجربة الإخوان في الحكم، خصوصاً بعد إشهار الرئيس محمد مرسي إعلانه الدستوري، أنها تجنح نحو ديموقراطية الحزب الواحد. وكان التنظيم الإخواني يدرك أن ضمان تأبيد سلطته وإعادة إنتاجها مرة بعد أخرى إنتخابياً لا بد أن يكون عبر تفكيك وإعادة تركيب القضاء برمّته، وصياغة تشريعات كفيلة بـأخونة الإدارة والتعليم والقضاء والاقتصاد والأمن والإعلام.. وهو ما أُطلق عليه التطهير ثم التمكين. واكتشف المصريون، أن برنامج النهضة الذي أعلنه الاخوان المسلمون وحزبهم العدالة والحرية، لا يعدو كونه مشروعاً سياسياً لا يخلو من مخاطر حقيقية على الحريات العامة والخاصة، ويخلّ على نحو فادح بمبدأ المساواة، ويهدد المسار الديموقراطي ويقطعه. وفاقم من سوء العلاقة مع النظام الجديد الذي بدأ بتشييده الإخوان المسلمون، سلسلة من الأخطاء السياسية اليومية ورداءة الأداء الاقتصادي والعجز المتفاقم في توفير الأمن أو في إنتاج تفاهمات سياسية وطنية. كانت نشوة الإخوان من سلسلة انتصاراتهم الانتخابية والاستفتائية قد أوصلتهم الى الثمالة، وظنوا أنهم هم مصر، ومصر هم. وعلى هذا الأساس تعاملوا مع كل القوى السياسية وكل مكوّنات المجتمع المصري.
كان ذلك هو خطأهم القاتل. وأغلب الظن، ما كان بمقدورهم إلا أن يقترفوا هذا الخطأ.
صنع الإخوان المسلمون ما لا قدرة لخصومهم على صنعه: عزلوا أنفسهم وكتّلوا أعداءهم حولهم، بمن فيهم حلفاؤهم الموضوعيون، أي التيارات الإسلامية الأخرى. ويمكن القول إن نزول واحتشاد عشرات الملايين يوم 30 حزيران (يونيو) هو من فعل الإخوان ورئيسهم أكثر مما هو من تدبير حركة تمرد أو بتصنيع من الجيش وجبهة الإنقاذ. استخفاف الإخوان بالخصوم أولاً، وبما يصنع الرأي العام ثانياً، وبترفعهم عن نجاسة السياسة ثالثاً، أخرجهم من الحكم ومن السياسة في آن واحد.
ليس مصير الإخوان السياسي هو محور القلق، وإن كان لا بد من صون حقهم بالوجود السياسي. لكن المقلق هو ما سببته تجربة الإخوان السيئة من آثار سلبية على الحياة السياسية المصرية ومستقبلها، وعلى اتجاه الثورة والطموح الديموقراطي. هذه الآثار تتوضح اليوم في النكوص المفزع نحو شيطنة الإخوان المسلمين، وشيطنة العالم الخارجي (من حماس الى تركيا الى الولايات المتحدة وأوروبا..)، ثم هذا الرواج المتجدد لإيديولوجيا شعبوية باصطفاء قائد عسكري مخلّصاً لمصر وشعبها، هو القائد المعلم على صورة جمال عبدالناصر، مع جنوح نخبة الثقافة والإعلام والاعمال والفن الى إعلاء الجيش ورجال الأمن وتفويضهم شؤون البلاد والسلطة. كما لو أن الشعب المصري كفر بالديموقراطية وبالسياسة وبالدستور، مسلماً قياده مجدداً لـقانون الطوارئ والأحكام العرفية، مستسهلاً الحنين الى استقرار يقايض به حريته. تلك الحرية التي باتت مخيفة وصعبة.
من الواضح، أن الإخوان المسلمين انقلبوا على ثورة 25 يناير بعد نجاحاتهم الانتخابية. ومن الواضح أيضاً أن العسكر لم ينقلب على الإخوان، بل على ثورة 30 يونيو. وبين الانقلابين ما زال الشعب المصري في متاهة شوارع مدنه، ينزف دماً ويخسر حريته مجدداً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00