8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

يحيى جابر يمسرح الطريق الجديدة وزياد عيتاني يرويها

في السابع من أيار عام 2008، عندما اجتاحت ميليشيات حلف 8 آذار، بقيادة حزب الله وتخطيطه، القسم الغربي من بيروت، استعصت منطقة الطريق الجديدة على هذا الاجتياح، وصمدت بوجه تلك الغزوة المسلحة، فمن ساحة الكولا إلى شارع قصقص، ومن جامع جمال عبد الناصر إلى المدينة الرياضية ارتسم هذا المربع السكني الكبير كحصن أهلي ـ سياسي، يتصف بغلبة المنتمين إلى العائلات البيروتية الأصل بين قاطنيه، وبطابعه الشعبي، وبكثافة سكانية ملحوظة.
بدت مناعة الطريق الجديدة بوجه ذاك الاجتياح ليست متحصلة من قوة عسكرية رادعة، ولا من إغفال الغزاة لها، بل هي متأتية من ذاك التماسك الأهلي لسكانها واستنفارهم كمجتمع وعصبية ولحمة، بحيث ان اقتحامها لن يكون إلا بدمار واسع وبمجزرة. وهذا ما لا طاقة لـحزب الله وحلفائه على ارتكابه في ذاك الحين.
على هذا الحدث، تجدد بروز الطريق الجديدة كمعقل سياسي للعصبية البيروتية (السنّية)، التي ضمرت وانحسرت عن الكثير من أحياء المدينة وأجزائها، إما بعوامل التحديث العمراني ـ المدني وحركة الإختلاط والتنوع والهجرات، وإما بسبب التغيير الديموغرافي العنيف الذي صاحب مراحل الحرب (1975 ـ 1990). وهذه الأخيرة هي الأشد أثراً والأفدح تأثيراً. وهكذا بدت الطريق الجديدة، في أيار 2008، وحدها التي لها أبواب ومفاتيح وأسوار غير مرئية، يصنعها وينصبها أهلها من خصوصية روابط القربى والمصاهرات والولاء السياسي الحزبي والمذهبي، والنظر إلى النفس كجماعة واحدة وجسم واحد.
وأتاح هذا الإنجاز، لا لمن هم خارج الطريق الجديدة وحسب، لكن لسكانها بالدرجة الأولى، النظر الى تلك المنطقة بوصفها كياناً ووجوداً له اسطورته وحكايته، تماماً كأهل الأشرفية المسيحيين في شرق بيروت الذين كسروا شوكة الجيش السوري في حرب المئة يوم عام 1978، أو كأهل الضاحية الجنوبية الشيعة، الذين أظهروا بأساً شديداً في حروبهم الكثيرة مع الجيش اللبناني والاسرائيلي والمخيمات الفلسطينية.. الخ.
بعد 7 ايار تلك، صار بإمكان شبان السبيل وشارع حمد وأرض جلول والفاكهاني والجامعة العربية وأبو شاكر والملعب البلدي.. أن يردوا على هتاف الله، نصر الله والضاحية كلها بهتاف آخر الله، حريري طريق الجديدة في تكافؤ رمزي وندية معنوية، تترجم النزاع السياسي بلغة الشارع.. وصار هناك عصبة تسمي نفسها فهود الطريق الجديدة، وبات للزعامة السياسية البيروتية أرضاً تقف عليها.
لم تتحصل لـالطريق الجديدة هذه الحصانة وتلك الهوية المحلية في سنوات قليلة، ثمة تاريخ موضعي متصل منذ ان خرجت العائلات البيروتية من الوسط القديم للمدينة وتوسعت في سكنها واستوطنت تلك المنطقة الرملية المحاذية لبئر حسن وحرش بيروت والمزرعة ووطى المصيطبة، مستأنفة إقامة أهلية الطابع، ما أتاح لها أن تكون كتلة متماسكة أعرافاً وتقاليد وسياسة وطقوساً، وقوة انتخابية وازنة. فهي الحاضنة لمؤسسات أهل بيروت من المسلمين (دار الرعاية الاجتماعية، دار الايتام، مستشفى ومدارس المقاصد، الأندية الرياضية) الذين كانوا في الخمسينات حملة راية العروبة الناصرية، فكان لهم فيها تأسيس الجامعة العربية كجواب على وجود الجامعتين اليسوعية والأميركية في بيروت. ثم انهم، وبحكم انحيازهم السياسي العروبي، وبمجاورتهم لمخيميّ صبرا وشاتيلا الفلسطينيين، احتضنوا الجماعات والتنظيمات الفلسطينية المسلحة وشاركوهم في حمل السلاح منذ أواخر الستينات، بل وبات شارع الفاكهاني هناك مقراً لمكاتب منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها كلها. وفيها كان تأسيس المرابطون، الفصيل المسلح الأساسي لشبان بيروت المسلمين السنّة.
ثمة تاريخ محلي عنيف وشديدة القسوة أثناء سنوات الحرب وما تخللها من نزاعات دموية أهلية وطائفية ومذهبية ومعارك عبثية وغزو اسرائيلي ثم احتلال سوري ثقيل الوطأة، مخابراتي وقمعي، عاشته الطريق الجديدة بتفاصيلها الخاصة، من غير ان تتبدل كثيراً نظرة سكانها إلى أنفسهم، ومن دون أن تتغير فعلياً طبائع أهلها وثقافتهم وأمزجتهم وتقاليدهم. بل هي من الأماكن القليلة التي حافظت على هويتها الديموغرافية.
من دراية اهل الطريق الجديدة لذاك التاريخ، بات بمستطاعهم أن يؤلفوا حكاية تامة، أن تكون لهم روايتهم على مثال ما للجماعات اللبنانية من روايات خاصة بهم وبأماكنهم ومعاقلهم. وكانوا بحاجة لمن يكتبها، لمن يستهدي الى لغتها، ولمن يرويها حقاً، بحساسية وجدانهم، صريحة وواضحة، لكنها خفرة، أي لا تستفز وعي الجماعات الأخرى ولا تنازعها، وفق مقتضى ميثاق الجماعات اللبنانية.
كان زياد عيتاني، إبن الطريق الجديدة، والشغوف بذاكرتها ويومياتها، حاملاً شفوياً لتلك الرواية. وكان يحيى جابر الشاعر والمسرحي والصحافي، إبن بيروت (والجنوب)، الشغوف بالقبض على الوقائع غير المدونة في جوف المدينة، يبحث عن الحكاية. بلقاء هذا الثنائي ولدت مسرحية بيروت الطريق الجديدة الطافحة بالمرويات والخبريات والحوادث العائلية والسياسية، بسرد عاطفي وببهجة وجدانية مخلصة لشروط الترفيه المسرحي بقدر إخلاصها للرواية وأبطالها.
فجر 15 شباط 2005، بعد ساعات على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، خرج يحي جابر سائراً على قدميه وحده في شوارع بيروت، مذهولاً وحائراً وملتاعاً. خرج مدفوعاً بتلك اللحظة الاستثنائية في تاريخ المدينة، وظل يمشي ويتجول كمن يرى بيروت للمرة الأولى، كمن اكتشف فجأة انه قضى عمره في مكان لا يعرفه.
يخيل إلي ان يحيى جابر مشى بلا توقف منذ ذاك الفجر الرهيب، حتى هذه اللحظات التي بدأ فيها يدوّن بيروت الطريق الجديدة كأجمل رسالة حب يكتبها شاعر لمدينته وأهلها.

[ بعد تقديمها في مترو المدينة، تستأنف مسرحية بيروت لطريق الجديدة عروضها على خشبة مسرح بابل، الحمرا، ابتداء من 15 آب الحالي.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00