8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

أنطولوجيا حيّة من مئات القصائد والشعراء

المتوسطية، الفكرة التي تجمع بلدان وشعوب هذا البحر القديم، أو ما يطلق عليه العالم الكلاسيكي، تبدو حتى الآن فكرة شعرية. البحث عن المشترك بين هذه الضفاف المتناثرة لغات وأدياناً واثنيات وتواريخ وذاكرات، وجمعها في هوية ما، يمتزج فيها الاغريقي واللاتيني والفرعوني والعربي والإسلامي والبلقاني، وما يتفرع من كل هذا.. هو بحث يحاول الارتقاء بالتاريخ الى الحلم، على ما ينحو إليه الشعراء، تبشيراً وتفكيراً.
المتوسطية التي فشل نابليون بونابرت في تحقيقها كمشروع امبراطوري، وظلت اضغاث أحلام بنيتو موسوليني لتحويل هذا البحر الى بحيرة ايطالية (لإستعادة الإمبراطورية الرومانية)، المتوسطية هذه التي ظلت دوماً ترجمة لاستمرارية الحرب البونية (قرطاج ـ روما) بين ضفاف جنوب وشرق من جهة وشمال وغرب من جهة ثانية عبر التاريخ المديد.. تبدو منذ أواخر القرن التاسع عشر فكرة متجددة، متحولة شيئاً فشيئاً من البعد الكولونيالي الى البعد التعاوني، والتكاملي، على نحو ما طمح إليه طوباوباً سان سيمون صاحب مصطلح الاشتراكية.
عدا عن إرث التاريخ والذاكرة المشتركة، وعدا عن التين والعنب والزيتون والماعز... تبدو المتوسطية فكرة طوباوية، شعرية، لكنها ليست وهماً خالصاً، طالما ان عالمنا الجديد، عصورنا الحديثة، تسعى الى تجاوز صراع المختلف نحو تآلف المتنوع، والى تخطي صدام المتناقض نحو تعايش المتعدد. لا بل ان المتوسطية قد تصير في مستقبل منظور مسألة ازدهار او موات بالنسبة لدول جنوب أوروبا وشمال افريقيا وغرب آسيا، على المعنيين الاقتصادي والثقافي.
من يتجول اليوم في مدن مثل مرسيليا وبرشلونة وروما، سيلحظ ان هذه المرافئ باتت موطناً لخليط متوسطي مكثف من مهاجرين وسكان أصليين، وهو خليط يفرض نفسه بالحاح على الهوية القومية، ويعيد تعريفها في كل أنحاء جنوب أوروبا خصوصاً. وإذ تستحيل أوروبة شمال أفريقيا وغرب آسيا، أو تعريب وأسلمة اسبانيا وفرنسا وايطاليا واليونان والبلقان..تبدو المتوسطية جواباً على الاستحالتين.
ستيفانو سيزاري، الشاعر الكورسيكي يظن ان المتوسطية ليست محواً للقوميات، بل هي مدخل لـتحريرها: بها استعيد خصوصية جزيرة كورسيكا التي طمستها المركزية الفرنسية، استعيد لغتي التي غمرتها لغة موليير صاحب المقهى في بلدة لوديف قال: قهوتي ايطالية، جيراني جزائريون، أقربائي اسبان، طبيبي لبناني.. نحن بلدة من ستة آلاف نسمة، ومع ذلك كل ما فيها هو هويات واصول مختلطة، هذا هو عالمنا والا فلن تتفتح الثقافة ولن يكون هناك فن، ولا تجديد للحياة.
وهنا في لوديف، شمال مرسيليا، توطد على امتداد 16 عاما الحدث الثقافي السنوي البارز تحت عنوان مهرجان اصوات المتوسط اللقاء الشعري ـ الفني. الذي يواظب على جمع تعبيرات ولغات بلدان البحر المتوسط في فعل ثقافي واحد. هذا ما جعل لوديف كأنها انطولوجيا شعرية حية لمئات الشعراء وآلاف القصائد بعشرات اللغات.
البلدة الصغيرة التي تظل نائمة في الشتاء، شبه خالية، تنهض في الصيف، لتكون على امتداد ثمانية ايام عاصمة افتراضية للبحر المتوسط كله. عاصمة من اصوات لا تلتم ولا تتصادى ولا تتجاور على هذا النحو الشامل إلا هنا، مئة وخمسون شاعراً وفناناً يلتقون من اجل المشاركة معا في تأليف ليس فقط فعاليات منظمة من القراءات والعروض، بل ايضا المعاشرة والعيش في مجتمع موقت يحتفل بتعدده ولغاته وثقافاته، ويتعارف على نحو مبهج وحميم في فضاء ريفي، نموذجي في متوسطيته وشمسه وظلاله وأوقاته الشبيهة بالقيلولة الصيفية.
يأتي البلدة، الواقعة في عمق الريف الجنوبي لفرنسا، أولئك الهاربون باجازاتهم من المدن الصاخبة ومن الشمال البارد ومن الشواطئ المكتظة ومن الأمكنة التي انتهكتها السياحة المعولمة، الى هذا المصيف شبه السري، الهادئ، ليقضوا على مدى ثمانية أيام، أوقاتهم متفرجين ومنصتين لـأصوات المتوسط، حيث ينتشر الشعراء منذ الصباح وحتى أواخر الليل في الحدائق، وعلى ضفاف النهر الذي يخترق البلدة، وعلى أرصفتها، وداخل مقاهيها، وعلى جنبات آثارها وفي ساحاتها، بصحبة الموسيقيين والمؤدين وفناني العروض، مؤلفين قصيدة خرافية. قصيدة ليست مصنوعة من كلماتهم ولهجاتهم وصورهم وأفكارهم وإيقاعاتهم الصربية، الألبانية، التركية، الإيطالية، العربية، الفرنسية، الإسبانية، اليونانية.. إلخ، بل مصنوعة من المشهدية الكلية للمهرجان ورواده وسينوغرافية تداول وإلقاء وعرض وتلقف وإنصات الجميع للجميع. أصوات ولغات ولهجات لقصائد وأغان متبادلة الترجمة، مختلطة، غريبة وأليفة، مختلفة ومتشابهة.
من كل هذه الألوان واللغات والنبرات يتألف فضاء ثقافي واحد، كما لو أن الفواصل بين لغة وأخرى تتبدد في تشابهات المضامين الشعرية وتشابكها. الشعر، هذا الكائن المنسي، الغريب يجد هنا موطناً له، يجد هواءه ومداه ووجوهه وأوتاره وألفاظه، كما يجد أتباعه وتجاربه وعزلاته الأليفة. يجد جماله الذي لا يقال. وهنا أيضاً يجد الشعر ناسه الذين يمضون ساعات نهارهم مصغين ذاك الإصغاء الوفي للغات لا يفهمونها ثم ينصتون لترجمتها الفرنسية بفضول ذكي وشغوف. قصائد تلقى على جمهور متمدد على العشب أو على الأراجيح، أو على كراس وضعت في منتصف مياه النهر، أو على طاولات مقهى أو مستلق في حديقة كاتدرائية مزدانة بالشموع ساعة المغيب، أو داخل حجرة أثرية، أو في ساحة سوق..
هنا، وعلى منبر واحد، يجلس شاعر إيطالي بجوار شاعرة ليبية، أو شاعر جزائري بجوار شاعر إسباني، أو شاعرة سورية إلى جانب شاعرة فرنسية، أو شاعر لبناني بجوار شاعرة صربية.. إلخ، كفعل نادر للتواصل بين 150 شاعراً وفناناً من 26 بلداً على الأقل. فهنا يتم اختبار طريقة إلقاء شاعر إسباني مع فنانة صوت فرنسية. دمج الكلمة بتأثيرات صوتية (غير موسيقية)، أو اختبار أسلوب قراءة شاعرة جزائرية شابة بمصاحبة فنان تشكيلي يرسم بجوارها وفق إيقاع القصائد.. وهنا يستعاد عمر الخيام بترجمة فرنسية مقروءاً على إيقاع عود فلسطيني احتفالاً بترويج نبيذ جنوب فرنسا ومظللاً، بالصدفة، بصوت أجراس الكاتدرائية القريبة.
علاقة نادرة بين الثقافة العمومية وتناول الشعر في الحياة اليومية. شعر ولهو صيفي يحيل تلك الفكرة عن نمط الحياة المتوسطي إلى واقع قريب من التصور السينمائي وخيال.
وليس صدفة أن يكون ضيف الشرف في المهرجان لهذا العام، هو الكاتب ميشال بوتور، أحد رواد الرواية الجديدة في فرنسا، الشغوف بما يسميه عبر الحدود، تجاوزها، بوصفها فكرة مركزية للثقافة، هو المترحل إلى مصر والصين والمقيم عند الحدود السويسرية. كما ليس صدفة أن يختار المهرجان استضافة فرقة هيدوتي أوركسترا، التي تقدم تجارب موسيقية قائمة على التهجين الثقافي المتوسطي، جامعة تأثيرات صربية، مقدونية، بلغارية، تركية، كردية وسورية لبنانية، في أسلوب مبتكر بصوت المغربية سناء مولاتي والاستانبولي حازر توروك، كذلك كانت المشاركة المدهشة بفرادتها للثنائي سعاد ماسي واريك فرنانديز، في تجربة تتراوح بين التأليف الإلكتروني الحديث وإيقاع إسباني قروسطي ولحن أندلسي مغربي، مع صوت سعاد الذهبي.
الظاهرة الأوفر دلالة في التجربة الشعرية الموسيقية، في دمج الكتابة والصوت والإيقاع والأداء والتعبير تمثلت في هذه الاختبارات التي مارستها فرقة سلاش غوردن المؤلفة من الرباعي فرانك جيرو ورادوسلاف كلوكوفسكي وجيروم أوجييه ولورا تجيدا (أو تييدا). تقوم أعمال هذه الفرقة على تفكيك وإعادة تركيب قصائد الشعراء في عرض تجريبي حر مخلص لـالشعرية أكثر من متطلبات التأليف الموسيقي أو الأداء المسرحي. إنه عمل في الصوت، في أصداء اللفظ واللغة وإعادة إنتاج اللفظ على احتمالاته الموسيقية وطواعيته كتأثير تعبيري مسرحي، ليس العمل مجرد مصاحبة الموسيقى للإلقاء الشعري، بل هو انتهاك الحدود بينهما وجمعهما في عبارة فنية واحدة. وبالطبع ليس من أجل إنتاج أغنية إنما توليفة ممسرحة وأدائية بحساسية الكتابة لا الغناء. كتابة بالصوت.
فإذ تؤدي لورا تجيدا أصواتاً بحتة (شبه أوبرالية) يبدو صوتها ليس حزيناً ولا تعبيراً ترجيدياً، بل هو أشبه بحنجرة من ألم. الشعر البحت الذي يسبق اللغة. أما تجربتها أثناء المهرجان مع الشاعر الإسباني ألفونسو ألغيري هيتسمان، الذي يكتب قصائد شديدة التكثيف الصوري والذهني، فبدت وكأنها تحول هذه القصائد البيضاء والصامتة، إلى تلك الأصوات الأكثر بدائية، الأصوات الأصلية الأولى القابعة في غرائزنا ما قبل النطق. صوتها الهش والمرهف كأنه جرح ينزف لحناً يروح ويجيء بين كلاسيكية الأوبرا الوقورة وخفة الجاز اللاهي، وعذوبة التقاليد الغنائية الفرنسية، وفي خيانة مستمرة للموسيقى وإخلاص نادر لقوة التعبير الشعري.
طوال أيام المهرجان، يمتد على طول الشارع الرئيسي للبلدة معرض كبير مخصص لكتب الشعر. سوق للإنتاج الشعري وإصداراته. أما متحف لوديف فقد استضاف معرضاً لأعمال ألبرت غليزيس (1881-1935) وجان ماتزينغر (1883-1956) تحت عنوان التكعيبية وما بعدها. وداخل المعرض كانت تلقى يومياً وقت الظهيرة قصائد بيار ريفردي، صديق فناني التكعيبية والحركة التشكيلية في النصف الأول من القرن العشرين، في عصر باريس الذهبي.
الشعر الذي يبدو اليوم قديماً، مثل مخطوط متوسطي مطمور بين آثار التاريخ، يبدو الآن أيضاً فكرة حية، مهاجرة عبر ضفاف هذا البحر الذي لا يموت.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00