8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

خطيئة الإخوان وخطر العسكر

إذا كان الرئيس جمال عبد الناصر هو أول مصري يحكم مصر منذ عصر كليوباترا، فإن الرئيس محمد مرسي هو أول حاكم مصري على الاطلاق يتم اختياره من قبل الشعب. هو أول رئيس منتخب بكل نزاهة وديموقراطية. بل هو أول رئيس مدني منذ العام 1952.
مع ذلك، وبعد عام واحد بالتمام تم عزل محمد مرسي، أي بعد عامين فقط منخلع الرئيس السابق حسني مبارك، القابع في السجن. لا يمكن فهم هذا المسلسل الدراماتيكي بأنه مجرد انقلاب قام به الجيش ليطيح بالتجربة الديموقراطية، ولا بأنه مؤامرة خارجية، وفق سيناريو إيران 1953 للإطاحة بمحمد مصدق, ولا بأنه ثورة ثانية مضادة قام بها الفلول والدولة العميقة. فعلى الأرجح، ما حدث بين 30 حزيران و3 تموز، هو استمرار لثورة 25 كانون الثاني 2011. طور جديد يؤكد على عمق الثورة المصرية وقوتها الجارفة والجذرية، أو بالأحرى هي تأكيد على شمولية الربيع العربي واستمراريته، لا في مصر وحدها بل في كل الدول التي شهدت ثورات، كما في الدول التي تتوجس اندلاعها اليوم أو غداً.
إن أعظم إنجاز تاريخي تحقق عام 2011 في العالم العربي، هو ان المواطنين أمسكوا بحريتهم ولن يفلتوها ثانية. وهم مصممون على التعبير والمشاركة في السياسة، وعلى المراقبة والمحاسبة، وعلى عدم الخضوع لـالقدر ولا الانقياد لأي سلطة تناقض طموحهم في الحرية والكرامة والعدالة.
على هذا الإنجاز، وبسببه، اندفع المصريون إلى الاستفتاءات وإلى الانتخابات النيابية والرئاسية، ومنعوا مرشح الفلول أحمد شفيق من الوصول إلى الرئاسة، كما أجبروا في المرحلة الانتقالية الأولى المجلس العسكري على تنفيذ برنامج تسليم السلطة في مدة وجيزة تحت شعار يسقط حكم العسكر. كانت الثورة تواجه رموز النظام أولاً، ثم مجمل منظومته ومؤسساته العميقة والمتجذرة في بنية الدولة وثقافتها، وهي تشكل كتلة إجتماعية ـ طبقية متمكنة ووطيدة، في الجيش والشرطة والإدارة والقضاء والإعلام ومصادر الثروة الوطنية والمرافق الحيوية..
التصدي لكل هذا، معطوفاً على السعي إلى التحول الديموقراطي في الدستور وفي الممارسة السياسية وفي ثقافة الحكم، كان مهمة ثورة تتصف بأنها مكوّنة من جناحين، يتم تسميتهما اصطلاحاً التيار المدني والتيار الإسلامي.
وإذا كان التيار المدني في مصر عبارة عن ائتلاف فضفاض ومتنوع، فإن التيار الإسلامي أكثر تماسكاً وتنظيماً، وتقوده جماعة الإخوان المسلمين، التي تأسست عام 1928، وهي صاحبة تاريخ مديد من العمل السري النشط، وعانت الاضطهاد والملاحقة طوال عقود، لكنها منذ منتصف السبعينات استطاعت إبرام عقد غير مكتوب مع السلطة: عدم تهديد النظام مقابل إطلاق يدها في العمل الاجتماعي (العمل الخيري والدعوى معاً). وبين القمع وغض النظر عنهم، استطاع الإخوان المسلمون، بالتزامن مع صعود الإسلام السياسي في أرجاء العالمَين الإسلامي والعربي، تكوين قاعدة اجتماعية عريضة مؤيدة لهم، عدا عن تراكم خبرتهم وصقل حنكتهم في العمل السياسي الباطني والكتوم (إن صح التعبير).
صحيح أن الإخوان المسلمين تأخروا أياماً قليلة عن ميدان التحرير عام 2011، لكن انضمامهم إليها كان أصيلاً وليس انتهازياً، وهم منحوا الثورة زخماً أتاح امتدادها إلى أنحاء مصر وبخاصة في الأرياف والضواحي ومدن الصعيد والدلتا والإسكندرية ومدن السويس، عدا القاهرة نفسها.
بهذا المعنى، كان الإخوان المسلمون أكثر استعداداً وجهوزية لخوض تحديات ما بعد سقوط النظام، ومهيئين للاستحقاقات الكبرى: الاستفتاءات، الانتخابات، كتابة الدستور.. وفي أثنائها جميعها، ممارسة كل أنواع المناورات والتكتيكات السياسية الممكنة للوصول إلى السلطة بوسائل شرعية (وديموقراطية). كانوا جاهزين لقطف ثمار الثورة.
غفل الإخوان المسلمون، بعد استلامهم للحكم أن التفويض الانتخابي الذي منحته الثورة لهم، إنما هو من أجل تحقيق أهداف الثورة المصرية لا برنامج حزبهم (حزب العدالة والحرية): التمكين في أجهزة الدولة وأخونة المجتمع. وغفلوا أيضاً أن الديموقراطية ليست فقط أن تصل إلى السلطة بالانتخابات، لكن أيضاً أن تحكم بالديموقراطية. لقد نسوا منطلقات الثورة واستخفوا بالمعارضة. ويمكن تعيين الخطأ الاستراتيجي للإخوان في يوم 22 تشرين الثاني 2012 عندما أصدر الرئيس محمد مرسي إعلاناً دستورياً يفوّض نفسه بموجبه صلاحيات شبه مطلقة، ثم جاءت الخطيئة المميتة عندما أعلنت الجمعية التأسيسية في الشهر ذاته إقرارها للدستور الجديد، رغم مقاطعة القوى المدنية والكنيسة، واعتراض النخب والجسم القضائي.
بدا واضحاً للجميع أن الإخوان المسلمين يسعون نحو حكم الحزب الواحد. وفوق كل هذا رأى المصريون، وهم المتدينون والمحافظون تقليدياً، أن الإخوان ينظرون إليهم بوصفهم ليسوا مسلمين كفاية، لذا بات محمد مرسي ليس رئيساً لجميع المصريين.
بسبب تلك السياسة الاستئثارية، مضافاً إليها الفشل الاقتصادي والإداري والأمني والتخبّط السياسي، تجدّدت الثورة ودخلت في طورها الثاني مع انطلاق حركة تمرد (26 نيسان 2013)، التي ستؤسس لائتلاف ما لا يأتلف: حزب الكنبة، الفلول، الشرطة، الجيش، الجسم القضائي، الأزهر، الكنيسة، الإعلام، البيروقراطيون والمجتمع المدني والقوى الثورية الشبابية والمعارضة التقليدية. ويمكن القول أن الإخوان حشدوا، بسبب عنجهيتهم، كل مصر عدا المحازبين لحزب العدالة والحرية. ولم يجدوا معهم في ميدان رابعة العدوية سوى الملاك جبريل، حسب قولهم!؟
خرج الإخوان المسلمون من الحكم ومن الثورة أيضاً، لكن من الخطأ إخراجهم من الحياة السياسية أو إجبارهم على المنفى أو إقصائهم من الحياة العامة، فكما أن الفلول ارتضوا طيّ زمن النظام السابق فإن للإخوان المسلمين الحق بـالمراجعة وباستئناف الحضور.
ومن الخطأ أيضاً أن تسمح المعارضة، التي استقوت بالجيش للإطاحة بمحمد مرسي، بعودة العسكر إلى السياسة، أو بإقرار سلطة الجيش على القرار السياسي، وإلا فسيكون يوم 3 تموز 2013 ليس استرداداً للثورة والديموقراطية بل هو انقلاب عسكري كامل الأوصاف.
العالم العربي كله ينتظر.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00