8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حرتقات الفن وسؤال المحكمة وحيوية المدينة

منذ 22 عاماً، قامت الشابة كريستين طعمة، الشغوفة بمدينتها بيروت، بمبادرة عفوية. جمعت فنانين تشكيليين ونحاتين وناشطين ثقافيين في حديقة الصنائع، وطلبت منهم أن ينفذوا أعمالاً فنية من وحي الحديقة ولها، وتفاعلاً مع روّادها وعابريها.
هكذا أنجزت طعمة فكرة إعادة الصلة والوصل بين الفن والخير العام وفضاءات المدينة. بعد ذلك أخذت الفنانين اللبنانيين إلى كورنيش البحر في تجربة أوسع، دعت إليها بضعة فنانين أجانب. بدا الأمر أشبه باقتحام فني أخرج الممارسة التشكيلية من الاستديو والغاليري إلى الرصيف من جهة، وأشرك العموم في ورشة العمل الفني من جهة ثانية. بدت المدينة وكأنها تستعيد بعضاً من روحها الجمالية بالتناسق مع اندفاع بيروت نحو الإعمار وإعادة البناء آنذاك.
هكذا ولد مهرجان أشغال داخلية، الذي تتهيأ بيروت الآن لانطلاقة دورته السادسة. فهذا المنتدى عن الممارسات الثقافية الجديدة الذي يمتد من 14 إلى 26 أيار الحالي، الذي باتت له سمعة دولية، سيحتل بعروضه وأعماله ومعارضه فضاء العاصمة وأمكنتها الثقافية المرموقة، المفتوحة مجاناً للعموم.
أمس، كان الإعلان عن برنامج المهرجان، الذي يستضيف هذا العام أكثر من مئة فنان لبناني وعربي ودولي، وهو يتضمن نشاطات وأعمالاً في الأداء، الرقص، المسرح، المعارض، المحاضرات، الموسيقى، فن الصوت، الأفلام، الفيديو، التجهيز، المنشورات والإصدارات.
على امتداد 13 يوماً، ستشهد المدينة، في أنحائها المتفرقة غزوة فنية وثقافية، يساهم فيها خصوصاً فن الشرق الأقصى، مشاريع ثقافية من تركيا، حضور مسرحي وفكري ثقافي للسوريين الناشطين مسرحاً وأدباً وأفلاماً. شبان الفيديو والأداء اللبنانيون لهم المساحة الواسعة. فرق من مصر ويوغوسلافيا (السابقة) وسائر أوروبا. عدا المحاضرات والممارسات الأدائية، بالاضافة الى تجارب الجولات داخل أحياء المدينة، بل وفي بيوتها كما مع مشروع إكس شقق حيث يذهب المشاركون الى عدد من بيوت برج حمود والخندق الغميق.. واختبار المدينة من منظورة مختلف.
وهناك مغزى أن يكون افتتاح المهرجان بتوزيع منشور أو كتيب وضاح شرارة إسلام الشرع وإسلام الدولة: دعوى الإحياء وحربها على التنظيم. وقد يتناسق مع مغزى أن ينتج المهرجان حواراً مصوراً مع الكاتبة السورية سمر يزبك، وأن يعرض فيلم أيام آل شاوشيسكو الأخيرة، كما شريط في فضاء الوهم لعلي شري، والعرض المسرحي السوري حميمية لعمر أبو سعدة ومحمد العطار. فليس المهرجان مجرد جمع لشتات أعمال أو عرضاً عاماً لنشاطات من هنا وهناك.
أشغال داخلية، بوصفه أحد المنابر الأكثر حيوية للممارسات الفنية والثقافية المعاصرة في الشرق الأوسط، يقوم هذا العام على عنوانين:
الأول، حرتقات. والثاني، المحاكمة. حسب كلمة كريستين طعمة: الحرتقة، في اللغة هي المعابثة والفحص والتحايل. وفي الفصل هي معاينة الشيء والعمل عليه، إما لهواً وإما بقصد هادف. وفي الصوت، هي الأثر والصدى النابع من ارتطام الأدوات والأشياء، إما بإيقاع وإما بعشوائية. بهذا المعنى، كل ممارسة هي حرتقات على نحو ما.
العنوان الثاني، المحاكمة، نقاربها بسؤال: إذا كانت المحكمة لا تقوم أركانها إلا بسيادة القانون والمواطنة والفردية، فإن المواطن الفرد لا يقوم إلا بحضور سلطة المحاكمة. فأيهما يسبق الثاني؟ الفرد أم المحاكمة؟
يبدو السؤال حرتقة، وفي غياب المحاكمة عندنا، تبدو الممارسات الواسعة النطاق في زوايا المدن وعتماتها وزواريبها وأمكنتها الخاصة وحميمياتها، حرتقات بلا توقف، ترفع سؤال المحاكمة على نحو فردي وخاص ومستمر.
هكذا يبدو أشغال داخلية عملاً تحريضياً، يفرض طقوسه على المدينة، كما يليق بالفن أن يفعل، وكما يليق ببيروت أن تكون.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00