8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

اللاجئون إلى لبنان

إثر قرار رئيس الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) جمال عبد الناصر بتأميم الشركات الخاصة عام 1959، تلقت الصناعة السورية المزدهرة آنذاك ضربة في الصميم. كذلك كان حال القطاعات الاقتصادية الأخرى. وحل الذعر في قلوب أصحاب الرساميل وملاك الأراضي والتجار ورجال الأعمال، خصوصاً وأن قرار التأميم كان قد سبقه بأشهر قليلة قانون الإصلاح الزراعي، الاشتراكي النزعة.
هذا التحول السياسي ـ الاقتصادي الكبير كان يجري على نحو دراماتيكي وعنيف في العراق أيضاً، كما في مصر. ونجم عن ذلك هروب الرساميل وأصحابها من تلك البلدان، وابتدأت هجرة واسعة النطاق لطبقات اجتماعية تملك الثروات من الموصل وبغداد والبصرة، ومن حلب وحمص ودمشق، ومن الاسكندرية والقاهرة وبور سعيد. ويضاف إلى هذه الهجرة، إفراغ تلك المدن الأساسية من الجاليات والجماعات المتعددة الأعراق والأديان واللغات: الإيطاليون، اليونانيون، الروس البيض، الأرمن، الفرنسيون، البريطانيون، وأيضاً اليهود الذين ابتدأت هجرتهم الطوعية بعد انشاء دولة اسرائيل عام 1948، لكنها تحولت قسرية في أحيان كثيرة، كما في العراق (عمليات الفرهود)، وفي مصر بعد حرب 1956 (تأميم قناة السويس).
كل هذه الهجرات أفقدت الطابع الكوزموبوليتي لأهم المدن العربية، ولكنها ايضاً أفقرتها ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً على نحو فادح، إلى الحد الذي يمكن القول إن هذه الهجرة آذنت بأفول عصر النهضة المبتدئ في أواخر القرن التاسع عشر، وإنهاء مشروع الحداثة، مشروع الدولة الوطنية الدستورية.. ليبدأ مسلسل الكوارث والخراب والديكتاتوريات والفساد العميم.
كان من حسن طالع لبنان (بعد حوادث عام 1958) والذي جدد صيغته الجمهورية والدستورية وتوكيده على النظام الاقتصادي الحر المترافق مع الإصلاح الإداري، الذي كان عنوان العهد الجديد: الشهابية، أن تحول الى مركز استقطاب إقليمي لكل تلك الهجرات النوعية من الدول المجاورة، المنكوبة بالبعث والناصرية والعسكريتارية. واحة ليبرالية أتى إليها تجار حلب وصناعيوها، وأقرانهم في دمشق وحمص، وملاك الأراضي الكبار والعائلات الأرستقراطية من كل أرياف سوريا، من الحسكة إلى درعا... وأتى معهم مسيحيون سريان وأرمن وأشوريون وكلدان وموارنة وأرثوذكس. الأمر نفسه وبنسبة أقل فعله العراقيون... بل والمدهش أن يهود لبنان تضاعفت أعدادهم بعد عام 1948 مع مجيء اليهود من إيران وسوريا والعراق إليه لا إلى إسرائيل.
في تلك الحقبة أيضاً، وجدت الرساميل الجديدة، الناتجة عن بداية الثروة النفطية العربية، في النظام المصرفي اللبناني ملجأها الاستثماري والادخاري المناسب، عدا الثروات الهاربة من التأميمات العربية. وترافق هذا، مع هجرة الوكالات الدولية والشركات العالمية الى بيروت لتتخذ منها مقراً، كذلك البعثات الأجنبية وجالياتها الجديدة المضافة إلى تلك العريقة في لبنان.
ومع طغيان الاستبداد السياسي والاضطهاد، هاجرت إلى لبنان ايضاً النخبة من المثقفين والأكاديميين والمتعلمين والمنفيين السياسيين، وذوي المهارات والكفاءات في مجمل قطاعات العمل والاختصاصات. وقبل ذلك كانت البرجوازية الفلسطينية (البروتستانتية منها خصوصاً) أتت وتمركزت في محيط رأس بيروت، عدا عن أن معظم اللاجئين الفلسطينيين هم من الفلاحين المهرة والذين لديهم خبرة خاصة في البستنة وزراعة الحمضيات والموز.
هذا وتضافرت هجرة الفنانين من سينمائيين ورسامين ومسرحيين وممثلين ومنتجين مع هجرة الكتّاب والصحافيين والموسيقيين وتقنيي إذاعة وطباعة وتصوير وما لا يحصى من اختصاصات هندسية وصناعية وخدماتية.. مع الهجرات السابقة، واستقرت جميعها في لبنان، في بيروت خصوصاً.
في زمن قياسي، أي بين عام 1958 وإلى منتصف الستينات (ربما حتى حرب 1967) شهد لبنان عصراً ذهبياً إعجازياً، وتحول من بلد فقير متقشف، ريفي الطابع، إلى بلد مفعم بالثروة والحيوية والعمران وبذخ الحداثة. وباتت عاصمته الكوزموبوليتية واحدة من أشد المدن جاذبية وأكثرها منحاً لرغد الحياة ورفاهية العيش.
هذا كان ناجماً عن الصيغة اللبنانية الدستورية، الليبرالية السياسية والاقتصادية، نظام التعليم الحديث... والهجرة العربية إليه ناساً ورأسمالاً، ما ساهم مباشرة في انطلاق حركة الحداثة الثقافية (فناً وأدباً وفكراً) وازدهار الصحافة والإعلام وصناعة النشر. كما ساهم أساساً في أضخم نمو عمراني تشهده بيروت والمدن اللبنانية ومصايفها. وابتدأ عصر صناعي لم يعرفه لبنان منذ زمن الحرير. كما ان اليد العاملة السورية وفرت القدرة على تلبية حركة العمران، فيما الفلاحة الفلسطينية زرعت بيارات الحمضيات خصوصاً في الساحل الجنوبي. أما تكدس الثروات العريقة وتدفق مال النفط إلى مصارف بيروت، فقد نقل الاقتصاد اللبناني، إلى طور رأسمالي ما كان يمكن تحقيقه بالاعتماد فقط على مقدرات لبنان الوطنية، وأفسح هذا بالمجال أمام لبنان ليقفز قفزات تنموية هائلة، وازدهر القطاع السياحي والخدماتي، عدا عن تحوله إلى مركز التقاء في التبادل التجاري والسفر عبر مطاره ومرفئه وخطوط الترانزيت البرية.
قلائل هم الذين يثمنون فكرة أن لبنان كان قديماً ملجأ للمضطهدين دينياً أو عرقياً، وقلائل هم الذين يثمنون فكرة أن لبنان كان حديثاً ملجأ للأحرار والمختلفين والمنشقين. أولئك الجاحدون الذين يسكنهم رهاب الغرباء واللاجئين والمهاجرين لا يدركون أنهم ربما كانوا هم بالذات أحفاد غرباء ولاجئين، ولا يدركون أصلاً أن موت المدن وخراب البلدان هما في نفي الغريب وطرد اللاجئ وخذلان الهارب.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00