8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

نيسان 1975 الذي لا ينتهي

منذ 38 عاماً بالتمام (نيسان 1975) ارتقت غنائية تمجيد المقاومة وتقديس المقاومين إلى ذروتها الكبرى، حين صدحت الجماهير وأحزابها القومية واليسارية بمقولة أن لبنان يفتدى للدفاع عن سلاح المقاومة (الفلسطينية، العربية، الأممية...) قابلتها غنائية مضادة جعلت من لبنان قطعة سما لا تسري فيه قوانين الزمن وتقلباته، ولا شروط الاجتماع وتحولاته، فهو كائن جوهري لا يمسه تبدل ولا يطاله فساد، مقدس وأزلي.
هكذا، بين غنائيتين تقديسيتين مضادتين، ابتدأت واحدة من أكثر الحروب الأهلية الإقليمية ـ الدولية طولاً ودموية، لتكون نموذجاً لنمط جديد من الحروب، أكثر تطوراً وتعقيداً وتداخلاً من الحرب الكمبودية والأنغولية (في تلك الفترة)، وسنجد مثالها فيما بعد في أفغانستان والصومال والبوسنة ثم في العراق ما بعد 2003.
وباستثناء غير مؤكد لحال البوسنة، فان سمة هذه اللبننة وتنويعاتها الأفغانية والصومالية والعراقية، التي قد تنضم إليها الحال السورية، هي استعصاء وضع نهاية فعلية للحرب، أو إنجاز السلم التام من غير نقصان، فهي بطبيعتها حرب مستأنفة، أو هي سلسلة من النزاعات المتناسلة من رحم بعضها البعض، تتخللها فترات هدوء أو هدنة أو مجرد تعب، فيكون سلماً موقتاً سرعان ما يشحن البلد بطاقة جديدة وقدرات متجددة واسباب مستجدة لاستئناف الحرب. فلا اللبنانيون منذ العام 1975 ولا الأفغان منذ العام 1979 ولا العراقيون منذ العام 1980، شعروا أن الحرب انتهت، على الرغم من النهايات المتعددة التي عرفوها لتلك النزاعات الدموية، التي ما أن تختتم حرباً حتى تفتتح أخرى جديدة، تنقلب فيها الاسباب وتتبدل فيها التحالفات وتتغير معها الجبهات وخرائطها.
ويقوم استعصاء السلم الكامل على طبيعة مجتمعات الحرب هذه، فهي مؤلفة بالأغلب من جماعات أهلية متنابذة (عرقياً أو دينياً أو ايديولوجياً) لا قدرة لها على الانفصال التام فيما بينها، ولا إرادة فعلية عندها للتعايش الناجز. وهي لهذا السبب تتحرك كبندول لا يتوقف، إما تنافراً حاداً وتمزيقياً، أو تقارباً إلغائياً وتصادمياً.
وإذا كانت الدولة (دستوراً ومؤسسات) هي ـ بديهة ـ الضابط الذي يضمن إدارة المنازعات وتسويتها ويسيطر على بندول التنابذ والتقارب بلا أعطال، فان سمة تلك الحروب بالضبط هي إصرار الجماعات على دوام الخروج على الدولة والانقضاض عليها، إما لتدميرها وإما لمصادرتها، أو الهيمنة عليها وإدخالها في مستودع غنائمها.
في نيسان عام 1975، وتحت شعار حماية سلاح المقاومة بالسلاح، الذي يستبطن الخروج على الدولة (ويشهره في آن)، كما يستبطن نفياً للكيان السياسي والدستوري (ويعلنه)، ابتدأت سلسلة من الحروب في لبنان، وضعت أوزارها الأولى في اتفاق الطائف، الذي تضمن (ويا للمفارقة) بذرة الحروب التالية عليه، حين استثنى سلاح المقاومة من شرط حل الميليشيات، فكان لهذا البند مفعول شرعنة الخروج على الدولة مجدداً والاستقلال عنها، أهلاً وسلاحاً وسياسة. كما كان لهذا البند مفعول تخلي الدولة نفسها عن أدوارها ووظائفها، وتوطيد تمايز جماعة بعينها عن باقي مكونات المجتمع اللبناني. وهذا التمايز ينيط بأصحابه فقط حقاً حصرياً لا بأسباب فائض القوة وحسب، بل أيضاً بما يفترض انه واجب سائر الجماعات، علاوة عن كونه واجب أبرز مؤسسات الدولة في صون الكيان والدفاع عنه: الجيش، وسائر القوات المسلحة والأمنية. فلا معنى لهذه المؤسسة أصلاً إن لم تتنكب هي القيام بواجبها.
وترتب على هذا الحق الحصري، وهذا الامتياز، إخلالاً فادحاً في التوازن السياسي وفي سلطة الدولة، أفضى الى تفوق سلاح المقاومة، واستقوائه على أي رأي أو مصلحة، وكبتاً لأي منزع يخالفه، وقمعاً لأي سياسة تفارقه.
هكذا عاد شعار عام 1975 السلاح دفاعاً عن السلاح لينبعث مرات عدة، بتوليد ذاتي لحروبه المتنقلة والمتعاقبة، واستقر بثقله وفداحة أثمانه وصياً غليظاً على اللبنانيين، فعمق الصدع بين الجماعات اللبنانية وفاقم أسباب الضغينة وضاعف من وهن الدولة وتآكل سلطتها وسيادتها، وشجع الطوائف والمذاهب بأكثرياتها واقلياتها على التمثل بأهل السلاح والإقتداء بهم، تمرداً وعصياناً وتسلحاً، وبحثاً عن سند خارجي وإقليمي، يمدهم بالعتاد والمال والحماية.
وهذا كله ليس سوى بعض اللبننة وفتنها، التي رعتها الوصاية السورية وغذّتها لثلاثة عقود، قبل أن ترثها الوصاية الحرسية الثورية الإيرانية في لبنان، وفي العراق.. وتحاولها اليوم في سوريا ذاتها دفاعاً عن الممانعة وغنائيتها القاتلة والدموية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00