تقول رولا إن بيروت هي مدينتها، وإنها عندما تغادر دبي لا تشتاق حقاً إلى شيء فيها، كما لو أن سبباً أصلياً يحول أبداً دون الانتماء إليها، على الرغم من أنها مقيمة هناك منذ قرابة 14 عاماً.
لكن رولا لا تطيق أيضاً المكوث في بيروت، ولا تحتمل الحياة فيها. وهي في كل مرة تزورها تشعر بنفور إضافي، مستعجلة العودة إلى الإمارات. وتقول إنها تقضي ساعات النهار والليل في بيروت بانزعاج مستمر، وبتوتر عصبي إلى حد أنها كانت تسألنا مراراً في السهرة الواحدة: كيف تحتملون كل هذا يومياً؟ قاصدة ليس التوتر السياسي الذي لا يهدأ، ولا الاستنفار المذهبي والطائفي المقلق على الدوام، ولا حتى الحوادث الأمنية المتواترة والمخيفة.. بل ذاك الفساد الذي يطال أنظمة الخدمات ووسائط العمل والتنقل، والبنى التحتية، بقدر ما يطال ويتغلغل في السلوك، والأخلاق العامة، وعقلية السكان، وطرائق تعاملهم في ما بينهم، ومع الآخرين والغرباء.
لا شيء هنا يعمل كما يجب، تلاحظ رولا، منتبهة إلى تفاقم التدهور سنة بعد سنة، وزيارة إثر زيارة. فهي تستغرب مقدار الجهد الذي يبذل لإنجاز أي أمر بسيط، فما يلزمه دقائق في دبي، يحتاج إلى ساعات في بيروت ومن غير ضمانة أن المطلوب سينجز أصلاً.
شكوى رولا، هي من هذا التعب الذي لا مبرر له في تصريف شؤون حياتنا اليومية. هي شكوى من الإنهاك المتواصل الذي تسببه شروط العيش في بيروت، والأكلاف الباهظة الإضافية التي يتكبدها المرء لتحصيل حاجاته الأساسية. مستغربة كيف للناس أن تقضي أعمارها هكذا، في كفاح مرير من أجل عيش عادي.
ما تقوله رولا عن المصاعب التي تكابدها في الأيام القليلة التي تقضيها ببيروت من مثل صلافة شوفير التاكسي ومزاجيته، والرعب الذي ينتاب المرء أثناء تنقله، من هذه الحرب الخفية بين السيارات والسائقين، وعصابات النشل، ورداءة الطعام، والتلوث المتعاظم، وأعطال الانترنت وانقطاع الكهرباء.. كل هذا ينبهنا نحن المقيمين في بيروت كم باتت مدينتنا بلا جاذبية، ولم تعد مدينة عصرية. وان انحطاط عمرانها وفساد ثقافتها وأخلاق سكانها، يجعلها هكذا مدينة محلية غير مضيافة، تتفاقم عزلتها عن العالم.
وعلى مثال الضفدع الراقد بماء في طنجرة على نار هادئة، لن ينتبه قط إلى إرتفاع الحرارة التدريجي حتى ينفق بالماء المغلي، يبدو أننا بدورنا ما عدنا منتبهين إلى الاهتراء الزاحف بدأب إلى مدينتنا. إننا نعتاد جرعة خراب إثر جرعة، متأقلمين في كل مرة مع ما نخسره من بديهيات الحياة الكريمة، ومن شروط عصريتنا، متراجعين سنة بعد سنة إلى الخلف، كأن نبتعد أكثر عن اسطنبول أو عن دبي، ونقترب أكثر من كابول أو بغداد، متناسين ما تأملناه في العقد السابق من خطط وطموحات وأعمال، حالمين بأن نتنافس مع دبي، وبأن نكون هونغ كونغ الشرق الأوسط، ولو بدا ذاك الطموح مبالغة كاريكاتورية في أحيان كثيرة.
ما عدنا منتبهين كم صرنا منعزلين ومحليين، في زمن هو ذروة عولمة الإقامة والاختلاط والتنقل والهجرة ونزول الغرباء هنا وهناك بلا غرابة ولا نبذ ولا تمييز. ما عدنا متصلين عيشاً وتكنولوجياً وثقافة وذائقة بما يستجد ويتحول في العالم. وهذا لا يتحصل بأخذ العلم بالشيء أو بمعرفته كخبر متداول، لكن بإدخاله في يومياتنا وباختباره وممارسته.
إننا لا نتخلّف فقط عما يستجد. ولا يتوقف زمننا على ما نحن فيه وحسب. لكن وبسبب العزلة المتزايدة ايضاً، نخسر حتى ما كان لدينا. والفشل في استلحاق ما يفوتنا يراكم أعباء وأكلاف الحفاظ على ما نحن فيه. ذاك ما نراه جلياً في ارتفاع منسوب الفقر. والفقر نفسه بات، لبنانياً، أكثر إدقاعاً مما كان عليه قبل سنوات قليلة.
وما يجوز قوله في الاقتصاد، هو ايضاً في السياسة والمجتمع. فرصيدنا في العيش المشترك مثلاً يكاد ينفد، فيما منسوب الفساد الإداري وأمراض البيروقراطية المتضخمة في أعلى المستويات. وذاك ما يرفع من نسب العجز والغضب واليأس والتوتر، أي ما يؤمن أسوأ بيئة ممكنة للعمل أو للعيش والتواصل. بيئة من معوقات وانحطاط سلوكي إلى حد غياب التهذيب والشفافية وأسباب التعاون.
هذا ما يحيل بيروت إلى مدينة طاردة، وعدائية.
الاسوأ من كل هذا، وكما هو معروف، فإن المجتمعات المحلية والمعزولة، غالباً ما تجنح إلى ضروب من الشوفينية وكراهية الأجانب والريبة من الغرباء والعنصرية. فإذا أضفنا إلى كل هذا على مجتمع هو اصلاً تمييزي وطائفي ومذهبي، في اشد لحظات الإستنفار بين هذه العصبيات، لرأينا بلدنا على حاله الحقيقية.. وإلا كيف نعتبر هذا التحول المريع الذي اصاب اللبنانيين وعاصمتهم، من شعب منفتح على العالم وثقافاته، ومن عاصمة كوزموبوليتية متطورة وحديثة، إلى شعب يتشبه بقبائل ما قبل الدولة والمواطنة، وإلى عاصمة نجد توأمتها مع مدن الكآبة والحزن والخراب؟ بل كيف نفسر هذه الفضيحة السياسية التي تجعل لبنان على خصومة مع العالم الحر، ومع جواره العربي، ولا يناصر سوى محور الشر، من كوريا الشمالية إلى إيران إلى نظام بشار الاسد.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.