كان من علامات عودة الحياة إلى أوروبا، بعد الحرب العالمية الثانية، انتشار ملاعب كرة القدم، واستفاقة الأندية وتكاثرها، واستئناف اللعب في المدن وعبر البلاد، وانتظام البطولات الوطنية، كذلك تنظيم المنافسات القارّية بوصفها مناسبات للقاء الشعوب الأوروبية وتعارفها مجدداً وبث روح التسامح، أو الروح الرياضية في ما بينها.
البلدان المهزومان في الحرب، إيطاليا وألمانيا، صارتا موطنين لكرة القدم، كونها البديل التعويضيّ عن السياسة من ناحية، وعن الهزيمة العسكرية من ناحية أخرى. لكن الأهم أن كرة القدم باتت في أوروبا، وخصوصاً في إيطاليا وألمانيا التعبير المشهدي عن إعادة بناء المجتمع والدولة وانضباط الحياة العامة، وبث روح الانتماء للمدينة الواحدة ومن ثم للبلد الواحد. كانت بلسماً للروح الجريحة.
كانت كرة القدم أيضاً أكثر من رياضة، فهي أولاً مدرّجات الجماهير، حيث فيها يتم تصريف العنف العمومي، وفق قواعد السيطرة والرقابة، المفروضة قانوناً على سلوك الجمهور. عنف رمزي وغرائز مشحونة ومكبوتة تنسرب وتنطلق وفق طقوس التشجيع والمنافسة، والتقلب بين الاحتفال بالانتصارات ورفع الكؤوس أحياناً، وبين تقبل الهزائم واعتيادها أحياناً كثيرة. بهذا المعنى، كانت كرة القدم ولا تزال، مسرح الأهواء العامة، وملاعبها مرآة لنجاحات المدن والبلدان، كما لاضطراباتها ونزاعاتها السياسية.
لم يشذَّ لبنان عن هذه القاعدة، فهو بعد الحرب، شهد مع انطلاقة إعادة البناء والإعمار عودة سريعة إلى ترميم الملاعب وتنشيط الأندية، وتأسيس الجديد منها، وتأليف الفرق وتكوين المنتخب. عاد العشب الأخضر المرتب، ورجع الجمهور إلى المدرّجات، ودبت الحياة في مباريات الدوري والكأس، واشتعلت المنافسات الودية، وتوارى التعصب السياسي أو الطائفي أو الإيديولوجي خلف التعصب المستجد للأندية وللاعبين. وعند تدشين إعادة بناء المدينة الرياضية، وما رافقها من سجال سياسي حول تسميتها (مدينة كميل شمعون الرياضية)، بدا الاحتفال بها رسمياً وشعبياً دلالة على القوة المعنوية والرمزية لدور كرة القدم في ترميم علاقة اللبنانيين بأنفسهم وبهويتهم وبدولتهم.
في أواخر التسعينات، بدا أن العنف الفائض والتأزّم السياسي والضيق الاجتماعي وقسوة التحولات الاقتصادية والعمرانية معطوفاً على إرث الحرب الميليشيوي... أكبر من أن يتم تصريفه سلمياً أو رمزياً في الملاعب، فيما الأندية ذاتها كانت في تكويناتها وإداراتها وأموالها، لا تمثل مدينة أو محافظة، بل تمثل عصبية طائفية أو مذهبية أو تياراً سياسياً، هو بدوره طائفي أو مذهبي. هكذا اندلعت صدامات مشجعي أندية كرة القدم بعنف فاض إلى خارج الملاعب، واصطبغ أساساً بلون طائفي ومذهبي. كان الجيش، وليست قوة مكافحة الشغب وحدها، يتدخل بملالاته وشاحناته وجنوده لوقف الصدامات والعنف. هكذا عجزت كرة القدم عن أن تلعب الدور الذي لعبته في أوروبا، وفي اميركا اللاتينية أيضاً.
مع مطلع العشرية الأولى من القرن الحالي، عادت كرة القدم اللبنانية للانتعاش نسبياً. فبعد أكثر من عقد على انتهاء الحرب، استقرت اللعبة على فرقها وملاعبها وبرامج مبارياتها. وتربى جمهور عريض، وتألفت جميعات المشجعين المخلصين، وبات للجمهور لغته وهتافاته وراياته وألوانه. وتوسعت مظاهر الاختلاط والتعارف، مترافقة مع البث التلفزيوني. وصار للمنتخب الوطني لاعبوه ومبارياته الدولية. فوجد اللبنانيون أنفسهم كمثل باقي الشعوب، يحاولون مشاركتهم في لعبة معولمة ومشهودة، يشاطرونهم وينافسونهم التشجيع والتعصب والحضور ورفع الأعلام والاحتفال وصيحات الاستهجان واجتراع الخيبات والهزائم... كانت كرة القدم تُشعرنا أننا بلد ووطن ودولة وشعب.
هذه المشاعر عبّرت عن نفسها مثلاً في لحظة اشتداد وقع الوصاية السورية على لبنان، أثناء المباراة المشهودة بين المنتخب اللبناني والمنتخب السوري على ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية، التي شهدت أعنف المصادمات بين الجمهور اللبناني والجمهور السوري، وسقط فيها عدد كبير من الجرحى ووقعت أضرار بالغة في المنشآت. يومها شهد لبنان غلياناً وطنياً نادراً على خلفية مباراة كرة قدم، في لحظة سياسية سبقت بسنوات انتفاضة القسم الأعظم من اللبنانيين ضد وصاية النظام السوري على لبنان.
بعد العام 2005، وقع اللبنانيون في انقسام سياسي ـ طائفي ـ مذهبي حاد، وتصاعد من الاختلاف والخصومة إلى سويّة العداوة. وهذا الانقسام اليوم يزداد تسلّحاً وينذر بتشرذم المجتمع اللبناني على نحو يطابق ما كان عليه في أوقات الحرب، إن لم يفُقه من ناحية التمذهب والضغينة. كما أن مسار إعادة البناء والإعمار كان قد توقف تماماً منذ العام 2005، فيما لم يكتمل عقد تثبيت الدولة وتمكينها وتوطيد أركان مؤسساتها... ورافق هذا النكوص والارتداد والانقسام انحطاط سياسي وأخلاقي ضاعف من الفساد والفلتان والتسيب والخروج على القوانين وعودة الروح الميليشيوية والاستقواء والمافيوية والتربّح غير المشروع والجريمة المنظمة.. كل هذا أطبق على مجالات الحياة بأوجهها كافة.
هذه هي الخلفية الكبيرة لسقوط كرة القدم اللبنانية في مصيبة أكبر فضيحة طالت أكثر من 24 لاعباً وإدارياً، وضربت الأندية والمنتخب في الصميم. فضيحة مراهنات وتلاعب في النتائج وغش في اللعب. كشفت عن ثقافة فساد وانعدام أخلاقي تام. وإذا كانت لجنة التحقيق للاتحاد الآسيوي لم تستطع إثبات التهمة إلا على الذين تم كشف اسمائهم، إلا أن تقرير اللجنة يوحي أن عدد المتورطين والفاسدين أكثر بكثير ممن أعلن عنهم وعاقبهم، بمعنىً آخر لقد تم إعدام كرة القدم اللبنانية.
هكذا، اكتشف اللبنانيون الذين حرموا من الذهاب الى الملاعب منذ سنوات (بقرار أمني منعاً للصدامات)، والذين عادوا بشوق لتشجيع منتخبهم مع حلم الانتصارات في التصفيات المؤهلة للمشاركة في مونديال البرازيل 2014، والذين شعروا أن لديهم من جديد منتخباً وطنياً يقارع المنتخبات الأخرى، متوحدين خلفه بوصفه من العلامات القليلة الباقية التي توحدهم وتجمعهم، ويتشاركون به سعادة أو حزناً، ويرون فيه مثالاً على تأليف وطنية طبيعية، ويجدون فيه الصورة التي يبحثون عنها، كمجموعة متآلفة متعاونة متنوعة تعكس أفضل ما فيهم من إرادة وخصال ومهارات...
اكتشف اللبنانيون بغتة أن منتخبهم ولاعبيهم على شاكلة أسوأ ما فيهم وعلى صورة ما هو مستشرٍ بينهم ومقيم في نفوسهم.
هزال وهشاشة في الحس الوطني، فساد أخلاقي، انعدام الحس بالمسؤولية والغيرية، غياب الحد الأدنى من الولاء، تفشي الجشع وأعمال الكسب غير المشروع والاستهزاء بالقوانين. ويمكن القول إن فساد الضمائر والذمم كما كشفته هذه الفضيحة يرقى الى سويّة الخيانة الوطنية.
تلك الخيانة كما جسّدتها وقائع فساد كرة القدم اللبنانية، تكاد تكون حقاً مثالاً لما هم عليه اللبنانيون في السياسة وفي الإدارة وفي علاقتهم ببعضهم البعض وفي صلتهم بالدولة وبالوطن... بل وفي لغتهم ومصالحهم وعلاقتهم مع الآخر، ونظرتهم إلى العالم.
أوليس المنتخب لغة ومعنى، هوانتقاء الأفضل؟ ها هو الأفضل لبنانياً يطابق العار ويلبسه.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.