بعد خمسين عاما، أو نحو ذلك، عندما تكون 14 شباط 2005 قد باتت تاريخاً، فلم تعد الكتابة عن جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري مرثية، ولا مناسبة احتفالية، أو مهرجاناً سياسياً، فما الذي سيبقى من تلك الذكرى للتدوين، وكيف ستؤرخ؟ ووفق أي رواية عريضة عن تاريخ لبنان ستندرج فيها سردية الجريمة وما تلاها؟
أي، إذا أزحنا جانباً الغبار الذي يغلّف حاضرنا منذ لحظة الانفجار وحتى اليوم، وأزحنا كل ركام اللغط السياسي والثرثرات والنميمة، والنذالات التلفزيونية والإسفاف اللغوي، والدناءات، وضغائن الخصوم وكراهيات الخائفين أو الحاقدين.. بل وإذا أزلنا أيضاً الأحزان والحسرات والغضبات وذهبت المشاعر الى ذكريات الماضي، فعلى أي وجه سترسو الحقيقة ويُسجل الحدث؟ وكيف سيقرأ لبنانيو المستقبل مقتل الحريري غيلة في منتصف النهار بوسط بيروت؟
على الأرجح، ستأخذ تلك الحادثة الإرهابية حيّزاً ثابتاً في التاريخ لا لكونها عملاً فريداً من نوعه، إذ سبقتها اغتيالات وتفجيرات لا تحصى وتلتها عمليات شنيعة مشابهة، لكن بوصفها افتتاحاً لسياق من الأحداث الجسيمة والتحولات العنيفة والاضطرابات القاسية التي ألمت بلبنان، ربما ستكون مداومة بآثارها بعد خمسين عاماً من حدوثها، طالما أنه رغم مرور ثماني سنوات على وقوعها لم تزل هي الحدث السياسي والأمني الأشد وقعاً ومفاعيل على مجمل الحياة العامة، وكونها هي حتى الآن الحادثة الأصلية، على ما توصف الخطيئة بالمعنى الديني بأنها أصلية. واكتسبت الحادثة ثقلاً تاريخياً لا بما استدعته من ارتدادات هائلة وحسب، بل أيضاً لأنها على عكس قصدها في القتل والإفناء والتغييب أجْلَت صورة رفيق الحريري وأكملت رسمه ورأى اللبنانيون وجهه وسيرته ومعالم صنائعه وأدواره وأعماله الكثيرة. فمنذ أن صار رفيق الحريري شهيداً انكشفت صورة له متفوقة على صوره السابقة المتعددة، رئيس خمس حكومات، زعيم سياسي، مخطط إعمار وبناء، مهندس اتفاق الطائف.. إلخ إذ عرف حينها اللبنانيون دفعة واحدة ملامح ومنجزات كانت معروفة ولم يكن يقدرونها فعلاً، وأعلاها شأناً بلا شك تلك المعركة المديدة التي كان يخوضها لتحصيل حق لبناني في التصرف بالشؤون اللبنانية، معركة شديدة القسوة والخطورة من أجل استرداد كرامة مواطنيه ورفاهيتهم واستقلالهم، صابراً على كل سوءات الفهم التي واجهته وكل الإساءات التي كانت توجّه له.
قوة فعل الاغتيال في التاريخ، أن هذا الاغتيال جاء كعدوان على تلك العلاقة التي كانت نسبة كبيرة من اللبنانيين قد بنتها بالحريري، وبنت عليها صورة له في نفوسها وفي حياتها. الاغتيال أتى كاعتداء على هؤلاء جميعاً في شخص واحد.
سنقرأ بعد خمسة عقود أو أكثر أن رفيق الحريري أتى الى عالم السياسة من خارج البيئة التقليدية لرؤساء الحكومات، وكان نموذجاً لجيل جديد من السياسيين. فهو حتى استقالته من رئاسة الحكومة الخامسة التي تولاها ظل يبدو في أنظار العالم العربي والعالم الأوسع، كسياسي من طراز مغاير، على الأقل من حيث ترفعه على تقاليد الحزازات والمنازعات والصغائر التي يتميز بها عموماً رجال السياسة في لبنان، وإن نفوذه الذي انبسط في فترة وجيزة كان أهم من أي منصب رسمي تسلّمه، إذ كيف يمكن تفسير صدمة العالم كله برحيله الفاجع، ولم يكن يحتل حينها سوى منصب رئيس كتلة نيابية في بلده. فكان اهتمام المجتمع الدولي بالحدث قد فاق غياب أو اغتيال أي شخصية دولية كبيرة، فهو بنظر العالم وبكل حيادية وتقريرية رجل نذر حياته السياسية القصيرة والعريضة جداً من أجل إنهاء الحرب ووقف العنف وبناء سلم أهلي وتدبير شروط وأسباب حياة مدنية عصرية، وإعادة التواصل مع العالم، واستطاع في سنوات قليلة إخراج بلده من خرائب وركام 15 عاماً من التدمير المتواصل، ويعيد الى الحياة اقتصاداً منهاراً، بل ويردم الفجوة الزمنية بين العام 1975 والعام 1990 في التطوير والتحديث التقني والعلمي والخدماتي، وكاد أن يستكمل جعل العاصمة بيروت مجدداً مركزاً مالياً واقتصادياً إقليمياً في زمن قياسي، بسبب خبراته الشخصية وقدرته على بناء المؤسسات التشغيلية وإعادة هيكلة التعليم وخطته التي لا مثيل لها، عربياً على الأقل، في توفير التعليم العالي لعشرات الآلاف من الشبان الخارجين للتو من حرب طاحنة، هو الآخذ بالعولمة قبل أن تصير هذه الكلمة مفهوماً سائداً.
بذلك أتى رفيق الحريري، بعد عقود من معاشرة اللبنانيين لرجالات سياسة لا يفعلون سوى المتاجرة بالشعارات وباحتراف لغة خشبية وافتعال الخصومات المجانية، ويحرصون فقط على بقاء استنفار عصبيات أتباعهم... أتى الحريري بمعان جديدة على مفهوم القيادة السياسية فربط ربطاً وثيقاً بين ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي وإعلامي وثقافي.
ستُكتب في سيرته أنه كان صيداوياً وبيروتياً في لبنانيته، وكان عربياً مشرقياً وخليجياً وكان صديقاً للغرب، مؤمناً ومدنياً، وإبن بساتين الجنوب ورجلاً عصرياً يوازي في اطلاعه واهتمامه بين انتخابات بلدية في قرية عكارية وبين خطط ومشاريع الصين، بألمعية رجل أعمال ورجل دولة في آن واحد.
سينتبه لبنانيو المستقبل الى تلك الفاعلية التاريخية لدور الحريري الذي تجاوز دائماً ظرف لبنان وأحواله وجغرافيته. بدا في حياته أن دوره وسياسته أكبر من لبنان تحت الوصاية، وكأنه كان يواصل تاريخاً مختلفاً، ذاك الذي كان لبنان عليه قبل الحرب. الميزة الاستثنائية كانت قدرته، في بلد تحت الوصاية، ورغم ضعفه وتركيبته الهشّة، على طرح مشروع، فاستطاع في بلد بهكذا ظروف أن يبني كياناً سياسياً واقتصادياً لا يتناسب ولا يُقاس بضعف البلد ولا بتبعيته آنذاك. استطاع أن يصنع ديناميكية استقلالية وهياكل دولة مستقلة، وعلاقات كيان مستقل، وثقلاً عالمياً وعربياً يستحيل أن يكون إلا لبلد مستقل. وتحت غطاء الوصاية بل رغماً عنها وعن رقابتها، أعاد بناء وحافظ على ما بقي الى الآن من جسم لبنان المستقل و.. مشروعه الوحيد.
بهذا المعنى كان لديه مشروع فعلي، بينما الآخرون حتى اليوم (2013) ليس لديهم سوى مشاريعهم السلبية، التحريض ونشر الكراهية والتباغض والتنابذ والشتم والتهييج المذهبي والطائفي. وبهذا المعنى أيضاً فإن الحريري من بين هؤلاء جميعاً كان يواصل تاريخاً أصلياً قديماً، ويتصرف كما لو أن لبنان لا يزال ذا تاريخ.
كتب مرة الشاعر الراحل بسام حجار في الذين يبغضون الحريري وهللوا لمقتله ضغينة الأحمق الذي يحسب انتصاره للضغينة انتصاراً. ونذكر هذه العبارة اليوم، لأن الرواية التاريخية عن رفيق الحريري ستشدد على أفضل إنجاز له في حياة اللبنانيين وفي نفوسهم: النهوض بالأمل، فقط الأمل بأن كل الطموحات والرغبات، مهما بدت صعبة وبعيدة المنال، هي أمور ممكنة. فعل ذلك حين كانت الحياة العامة والسياسة مبرمتين حصرياً للوصاية السورية وللطائفية.
ذاك الأمل لم يبق منه الكثير على كل حال، فالطغيان والوصاية والطائفية ما زالت جميعها توقع القتل فينا، وتغتال رفيق الحريري كل يوم بوصفه اغتيالاً لنا جميعاً في شخص واحد.
فهل بعد خمسين سنة سنقرأ الحقيقة أم سنظل نعايش عتمة الطغيان والموت والنسيان؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.