8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الزواج المدني والقانون الأرثوذكسي

في 17 كانون الثاني الحالي، نشر موقع NOW الإلكتروني تقريراً للصحافية أروى الحسيني، كشفت فيه عن إعلان أول حالة زواج مدني في لبنان. وعقد الزواج هذا وقعه كل من خلود سكرية ونضال درويش، بعد جهد قانوني وحقوقي وإجراءات بيروقراطية امتدت لأشهر عدة.
توثيق هذا العقد هو اليوم بيد هيئة الاستشارات في وزارة الداخلية بانتظار إعلانه رسمياً. ولم يبت بالموضوع حتى الآن.
رئيس الجمهورية سارع إلى إعلان تأييده لهذه البادرة، ليس ببيان رسمي، لكن عبر تغريدة أطلقها على موقع تويتر: يجب ان نعمل على قوننة عقد الزواج المدني. فهي خطوة من خطوات إلغاء الطائفية وتعزيز العيش المشترك. وكررها في ستاتوس على صفحته في موقع فايسبوك حاصداً 8 آلاف لايك في اليوم الأول.
لكن التعليقات المعترضة كانت كثيرة أيضاً ويمكن اختصارها بتعليقين، أحدهما هو الزواج المدني مخالف للشريعة الإسلامية والثاني هو الهدف من الزواج المدني تذويب مسيحيي الشرق. وهذان التعليقان يختصران ببراعة المعضلة الكبيرة: تمكن الأصولية الإسلامية وثقافتها من المجتمع الأهلي وتشدد المؤسسات المذهبية في سلطتها على رعاياها من جهة، وتصاعد الخوف المسيحي معطوفاً على تعصب طائفي ـ سياسي ليست السلطات الكنسية بريئة منه، من جهة ثانية.
وإذا كان رئيس الوزراء قد تملص من إبداء رأي فيه، مستخفاً بالحدث: لا ضرورة للخوض في سجالات لا طائل منها في هذه الظروف (الثلاثاء 22 كانون الثاني 2013) كما ان رئيس مجلس النواب لم يبد أي رأي، يبقى رئيس الجمهورية وحيداً، كما حدث مع الرئيس الأسبق الياس الهراوي عام 1998 عندما اقترح اقرار قانون الزواج المدني الاختياري، وسقط الاقتراح ولم يجد طريقه إلى مجلس النواب بعد حملة شرسة من قبل المرجعيات الدينية (الطوائفية)، كان السياسيون فيها يلعبون دور المتفرج أو المتبرئ، نائين بأنفسهم عن خطوة تستلزم شجاعة، ربما هي على قدر شجاعة ابراهام لنكولن في إعلان الغاء العبودية! وهذا ما لا يجوز توقعه من سياسيين لبنانيين على أي حال. هم الذين يستمدون استمرارية نفوذهم (وشرعيتهم) من دوام الخطاب الطائفي والمذهبي، الذي بدوره يتصاعد ويحتد بتحريض وتشجيع من هؤلاء السياسيين أنفسهم.
وإذا كان اقتراح الهراوي قد فشل رغم انه امتلك حظوطاً لا بأس بها في ذاك العهد، حين كان اللبنانيون أقل استنفاراً مذهبياً وطائفياً مما هم عليه الآن، فان حظ إقرار الزواج المدني اليوم يبدو ضئيلاً للغاية، طالما ان الدولة أولاً في أضعف مراحلها، والمجتمع في أقصى مراحل الإنقسام الطائفي، والمؤسسات المذهبية في ذورة نفوذها السياسي والإجتماعي. والأهم أن المجتمع المدني بلا أي تمثيل سياسي في السلطة.
الحاضنة الإجتماعية المؤيدة للزواج المدني، تضم خليطاً من علمانيين، يساريين ويمينيين، أو ممن هم وحسب من أنصار الدولة المدنية وليسوا بالضرورة علمانيين... هؤلاء وفق النظام السياسي اللبناني، ووفق أواليات إنتاج التمثيل السياسي وتداول السلطة أو المشاركة فيها، لا يستطيعون تأليف لوبي تشريعي في مجلس النواب، ولا هم قادرون مثلاً على صنع إئتلاف حزبي أو برنامج سياسي، أو قاعدة شعبية إنتخابية. فهذا النظام أعطب المبدأ الدستوري الذي يوازن بين مدنية الدولة وحقوق الطوائف، اذ تغلب نزاع تلك الطوائف ومنطق المحاصصة فيما بينها على مبدأ حياد الدولة وتعاليها على الطوائف، ما أدى إلى فشل الدولة في وظيفتها الكبرى: بناء المساحة الوطنية المشتركة، والأخذ بالجماعات إلى الهوية الوطنية، حيث يتاح توسع المدني على حساب الأهلي وتحرر الأفراد من العصبيات إلى المواطنية.
يضاف إلى ذلك أن ما نسميه اصطلاحاً المجتمع المدني لا يفارق أصلاً الإنقسام السياسي الطوائفي والمذهبي، بل هو مستتبع غالباً لهذا المحور أو ذاك. وعليه، فهو منقسم ومشتت بشدة، إلى درجة العداوة والكراهية تماماً كما هي أحوال المذاهب والملل. أما توحده خلف مطلب الزواج المدني فلا يخلو من تنافس إنتهازي يطيح بهكذا توحد افتراضي، ويدرج مطلب الزواج المدني وأمثاله في الصراع الاساسي القائم في لبنان والمنزلق بشدة إلى هاوية التفتت المذهبي والطائفي.
أتى حدث الزواج المدني في لحظة يهيمن فيها اقتراح القانون الإنتخابي الذي قدمه اللقاء الأرثوذكسي. وهو إقتراح، شئنا أم أبينا، يكشف بلا مواربة عن الحقيقة السياسية الصلبة: رغبة الجماعات اللبنانية وهوياتها المذهبية بالإفتراق عن بعضها البعض واستقلالها بذاتها كائنات جوهرية لا تتبدل ولا تتغير. تتجاور ولا تختلط. أي إلغاء إمكانية أي إندماج إجتماعي ـ سياسي مدني بين اللبنانيين، وجعلهم منقسمين أبدياً في أحزاب هي مذاهب ـ هويات نهائية. ويقتصر حضور الدولة ودورها على الإدارة دون مهمتها الأصلية والأساسية: تأليف جمهورية مواطنين.
وهكذا، الخروج من الطوائف والمذاهب سيكون خروجاً من المجتمع نفسه، وحرماناً من التمثيل السياسي، وقعوداً في الهامش غير المعترف به.
إنه نوع من المنفى بلا هجرة ولا إغتراب. منفى داخلي يحيل من يختارونه إلى طائفة منبوذين، فيما أمثال خلود سكرية ونضال درويش، المرجح تضاؤلهم، سيذهبون كالعادة إلى قبرص من أجل زواج مدني يخالف الشريعة الإسلامية ويهدد وجود مسيحيي الشرق. سيكون لهم تويتر وفايسبوك، ويكون للطوائف مجلس النواب والحكومة والقوانين والقضاء.. وتلك القسمة لا طائل منها ولا رجاء.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00