8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تعمدت فرقة زقاق أن تبدأ عرضها أليسانة، تدريب على الطاعة من لحظة دخول أول متفرج. لم يتح للجمهور ان يعين تماماً مبتدأ العرض المسرحي. كانت تلك أول إشارة استفزازية ومفتتح العلاقة بين ما يجري على خشبة المسرح والجمهور. علاقة غير متكافئة طالما ان الفرقة استحوذت على التوقيت، مجرية زمنها الخاص، فيما نحن علينا اللحاق به والخضوع لجريانه، هكذا أظهرت زقاق أول فعل سلطوي، هو في صلب سؤال المسرحية: الصراع مع السلطة أو عليها.
كان الممثلون يؤدون سلسلة من التعبيرات اللفظية والحركية، هي في الأصل ما يؤدونه الناس يومياً واعتيادياً، كأن يضع المرء سبابته على فمه ويردد كلمة سكوت مرات عدة، أو يرفع يده ماداً سبابته نحو السماء قائلاً وحياة الله، هكذا ماطاً حرف الياء، مشدداً على صدق قسمه. وعلى هذا المنوال يعرض الممثلون منظومة من التعبيرات العامة اللفظية والجسمانية، منظومة سيميولوجية لسلطة اللغة وضوابط الجسد. إنه نظام السيطرة العمومي الذي يستحوذ على ميدان التواصل، كما على الوجدان الفردي والعام.
لكن ما نظنه تفكيكاً (والظن هنا في محله) لتلك المنظومة، ليس كذلك تماماً، إذ ينقلب المشهد على حقيقة كونه مجرد تمرين مسرحي يخضع له اولئك الممثلون، كتدريب أدائي بديهي على أواليات التمثيل. وهم يؤدون هذا التمرين قبل المباشرة بعرض المسرحية المفترضة، وهي هنا الامبراطور والجليلي لهنريك إبسن.
نكتشف ان أليسانة هي عرض عن فرقة مسرحية تتحضر وتتدرب لتقديم مسرحية الامبراطور والجليلي. وإذا كانت مسرحية إبسن تخوض في معنى السلطة والدين، في السيطرة على الجموع والعقول والوجدان.. فان الفرقة المسرحية التي تتنكب تجسيد نص إبسن، تقع هي نفسها في الصراع على سلطة التحكم في قراءة وتأويل وتنفيذ العمل. ونحن المتفرجون كان علينا ان نشاهد من جهة النزاع الناشب بين المخرج والممثلين على كيفية ترجمة الامبراطور والجليلي إلى عرض، وبين المشاهد الفعلية لتمثيل الامبراطور والجليلي. إنه المسرح في المسرح كما يقترحه لويجي بيرانديللو (1867 ـ 1936) لكن برؤية وقسوة برتولد بريخت (1898 ـ 1956).
في مجريات عرض أليسانة بين تسلط المخرج المتزمت بحرفية النص الإبسني، ورؤى الممثلين التأويلية، يتصاعد التأزم الى سوية استعصاء مسرحة العمل. هكذا ينكشف المعنى الأصلي لفحوى نص إبسن: الصراع القديم على السلطة من ناحية، والصراع الدائم بين النص الديني والتأويل. ينكشف هنا في عنف العلاقة فيما بين الممثلين أولاً، وسوية بوجه المخرج ثانياً.
المعنى الذي تقدمه مشاهد الإمبراطور والجليلي من نزاع مهلك بين الوثنية والمسيحية، يتجسد هنا أخيراً بين المخرج الذي يطلب الطاعة العمياء والتقيد الحرفي بالنص والممثلين الذين يسعون للخروج بالنص إلى مفاعيل التأويل والقراءة.
أبعد من ذلك، اليسانة كانت تتعمد تهفيت مسرحية إبسن ذاتها، ليس النص لكن المسرحة كفن عرض. الفن المسرحي نفسه كان عرضة للمحاكاة الساخرة، لتشريح فاضح، ولتعرية هشاشته إلى حد أن الفعل الدرامي الوحيد المقنع يكون بقتل المخرج على يد الممثل المتمرد. لكن أيضاً لا يكتمل الإنجاز إلا بمقتل الممثل المتمرد على يد زملائه.
أي المغزى المسرحي الذي يجب تقديمه لن يكون سوى استحالة فن المسرح. موته المستمر. مسرحية عن موت المسرح؟!
يتيح لنا العرض، إدخال تأويلنا اللبناني. استحالة نصاب السلطة كما استحالة الإلتزام بالنص، وايضاً استحالة القراءة والتأويل. هذه حال الإحتراب، والعبثية. استعصاء المسرح مرآة استعصاء اللغة والإجتماع والسياسة. فيما القتل هو الأداء التمثيلي الوحيد الممكن. الموت سلطة أخيرة.
المفارق ان فرقة زقاق جعلت من هذا كله مسرحية وإذ تعلن الجمال القديم لم يعد جميلاً، والحقيقة لم تعد حقيقية تقدم عرضاً مكهرباً ومحتشداً على خشبة الوضع البشري.

[ أداء: لميا ابي عازار، دانيا حمود، مايا زبيب، علي شحرور، هاشم عدنان. اخراج: جنيد سري الدين (مسرح مونو)

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00