8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

غربتنا الدائمة عن الشتاء

اللبنانيون يتفاجأون بالشتاء. إنهم يعرفون في كل عام أن ثمة فصل شتاء: أمطار غزيرة، درجات حرارة متدنية، عواصف رعدية، تساقط ثلوج، موجات صقيع، رياح عاتية، أنواء بحرية، إنقطاع طرق وسيول وفيضان أنهر وتفجر ينابيع.. كل هذا يحدث في كل سنة، منذ ان استوى لبنان على جغرافيته، ومنذ أن سكنه أهله، مع ذلك، ما إن يأتي هذا الشتاء في موعده حتى يباغت به اللبنانيون، كأنه يصيبهم لأول مرة. كأنه حدث غير متوقع.
وعلى الرغم من أننا ننعم بفصول أربعة، أي ثمة خريف يتوسط بين الصيف والشتاء، يأخذ بيدنا على مهل من الأجواء الحارة إلى الأجواء الباردة، بتدرج ولطف وسلاسة، ويهيئنا للدخول إلى المناخ الممطر والمثلج.. إلا أننا نظل هكذا غير مستعدين لاستقبال الشتاء، ويذهلنا حلوله علينا، مستنكرين حضوره ومصدومين بظواهره وعوامله.
نشعر أنه أتانا كنزول الصاعقة، كحدث استثنائي لم نألفه طيلة أعمارنا. وكأن ذاكرتنا، التي تعمل عادة على كبت الذكريات المؤلمة، تشتغل على النسيان المتعمد لمعايشتنا شتاءات لا تحصى نعمنا بها في حياتنا، بل وتتناسى أيضاً سرديات الأجيال السابقة عن العيش الشتائي، خصوصاً في الأدب الريفي اللبناني.
لا نفعل سوى التذمر من الشتاء، ونظل على استيائنا منه، مدهوشين من أحداثه، ونروح نقول، كأننا نشهد أمراً طارئاً: الثلوج تتساقط على المرتفعات أو يا لها من أمطار لم تتوقف منذ البارحة غير مصدقين ما نراه. بعضنا يصرح كلما التقى أحدهم: برد. كأنه يعلن عن نائبة حلت بالبلاد.
ما من مرة تآلفنا مع الشتاء. نشعر وكأنه عدوان ضربنا على حين غرّة، وخرّب مألوف عيشنا، ونصير مصابين بالحيرة في تدبير تدفئتنا، وفي استئناف تنقلنا على الطرق، وفي ذهابنا إلى أعمالنا. بيوتنا نفسها كأنها شُيّدت من دون مواءمة مع عوامل المطر والبرد والثلج، ونصير نتساءل باستغراب: إن كان هذا حالنا، فكيف يعيش البشر هناك في روسيا وشمال أوروبا وكندا؟
في كل عام، نبتدئ خالين من أي خبرة، مع هذا الشتاء. يأتي فتنعدم حيلنا وقدرتنا على الحركة، نختبئ ونتحاشى التنقل والخروج. تغرق شوارعنا ويتحوّل الازدحام المروري إلى فخ لا نستطيع الإفلات منه. تنعزل المناطق الجبلية كما لو أنها مجاهل سيبيرية. تتعطّل الاتصالات، وتنقطع الكهرباء ساعات إضافية على انقطاعاتها معتادة. وتصير أخبارنا هي مجريات العواصف بوصفها سلسلة من الأضرار الفادحة في العمران والطبيعة، التي نحصيها كتداعيات لكارثة طارئة اسمها الشتاء.
وعلى نحو ما نعي السياسة بأنها شر لا بد منه، سرعان ما ندمج وقائع الشتاء في نزاعاتنا السياسية، فنشعر أن ما يحلّ بنا من جرّاء العواصف كأنه هو من تدبير هذا الوزير أو تلك الحكومة. عدا عن حقيقة أن الدولة مثلنا يداهمها الشتاء كأنه واقعة لم تكن في الحسبان. ثم إن الفصل الدراسي مقرر في الشتاء، ومع ذلك تقفل المدارس أبوابها كلما غطّت الغيوم سماءنا.
نبدأ جلساتنا ولقاءاتنا بالشكوى من البرودة، بالتذمر من البلل، بتداول آخر معلومات الطقس والنشرة الجوية، كما لو أننا نسرد أخبار حرب ومعارك، أو أخبار صراع سياسي حاد. ثم إننا نتبادل النصائح في كيفية الوقاية من غضب الطبيعة، كما لو أننا نختبر هذا الطقس للمرة الأولى في حياتنا.
يداهمنا المطر ويذهلنا الثلج، كأننا وصلنا للتو إلى بلد غريب. نتحصّن في منازلنا لنشاهد باستغراب عوامل المناخ. كأن فينا كائناً سحيقاً، ربما أصلنا، ما زال غريباً عن جغرافيا هذا الطقس، وما زال عاجزاً عن التأقلم مع إلفة الشتاء وحميميته.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00