ما من خيار.. ليس النزاع مع حزب الله مجرد خلاف سياسي، على ما يكون الخلاف جدلياً ومتكافئاً. إنه ليس تنافساً على سلطة ولا اختلافاً في الرأي. إنه نزاع كلي واستراتيجي. حصيلة كل أدبيات خطب الأمين العام لحزب الله تفرض علينا مواجهة الحقيقة الكئيبة: إما نظام ديموقراطي في دولة المساواة وإما ديكتاتورية الحزب الشمولي وفاشية السلاح الميليشيوي.
في سبع سنوات مرت، إنتهت معركة الاستقلال الثاني، من جهة أولى، برفع الوصاية السورية عن لبنان، جزئياً، وبارتفاع منسوب الوصاية الإيرانية من جهة ثانية.
هذا الواقع الذي فرضه حزب الله، الحزب الذي سيحارب إسرائيل وغالبية الشعب السوري ونصف اللبنانيين على الأقل، في وقت واحد، لن يجلب على لبنان إلا خطر تدميره بحروب داخلية وإقليمية. حروب لم يقررها اللبنانيون. وهو اليوم، عند تخوم بيروت، وعند الحدود السورية، وفي طرابلس وصيدا.. يراكم أسباب تجديد الحرب الأهلية.
يعلن حسن نصر الله، صراحة، إنه بات يتمتع بكامل صلاحيات الديكتاتورية، فهو أفهم الجميع أنه هو من الآن فصاعداً يؤلف الحكومات ويسمي رؤساءها. هو الذي يقيم طاولة الحوار ويسمي المشاركين فيها. وهو الذي يقرر الحرب من عدمها، هو الذي يمنح الاستقرار أو يأمر رجاله المسلحين بالانتشار والهجوم والسيطرة وإطلاق الرصاص. وهو ليس الحكم على الأفعال والأقوال فحسب بل إنه أيضاً من يحكم على النوايا والضمائر والسرائر. فهو يعرف من هم أشرف الناس ومن هم العملاء (الذين يستحقون الموت شنقاً).
يعلن نصر الله، أنه الآمر الناهي، بصلاحيات تعلو فوق أي دستور، فلا رئيس جمهورية ولا مجلس وزراء ولا مجلس نيابي ولا شعب بأكمله.. هو وحده سلطة مطلقة. ومن مخبئه يتقرر مصير الوطن والمواطنين.
ثمة بالتأكيد كل المؤسسات القائمة للقول ان في لبنان نظاماً سياسياً دستورياً ودولة حديثة: رئاسة، حكومة، برلمان، قضاء، جيش، شرطة.. لكن من الواضح أن شرط بقائها هو الرضوخ والعيش في كنف سلطة فاشية عسكريتارية تتسم علاوة على ذلك بالتعصب والحقد واللؤم. أي تعارض بين إرادة الدولة وإرادة حزب الله، يعني عملياً سقوط الدولة خلال ساعات بقوة السلاح وحشود أهله الغاضبين، وبأمر مباشر من إصبع حسن نصر الله المرفوع بوجه العالم.
من أجل ذلك، لم يتردد نصر الله في خطبته الأخيرة بإعطاء رخصة قتل وإعدام 14 آذار المناوئة له، ومن الواضح ان ثمة حرباً بالتقسيط يشنها حزب الله ليس على خصومه السياسيين، بل على لبنان الصيغة والميثاق والدستور، فبعد تمكن دويلته من الرسوخ حان وقت بسط تسلطه الكامل على الدولة.
أعلن نصر الله أن لا شريك له في تقرير مصير لبنان، واكتفى بـتعيين أتباع له كشركاء في سلطته وفي إضفاء طابع التعددية، على ما هو الحال في سورية الأسد وجبهتها الوطنية، وتقريباً بالأحزاب نفسها والوجوه ذاتها. ومن الآن فصاعداً في لبنان نصر الله سنرى حكومته أو حكومته أو حكومته مهما كانت نتائج الانتخابات. أما فيما يخص الاغتيالات، فالسلوك الحسن يكون كالتالي: مراسم دفن لائقة، مجلس عزاء، تجهيل الفاعل، الامتناع عن أي إحتجاج أو غضب.. والأهم، التمنع عن أي اتهام.
يمكن القول أن أخطر ما أتى به نصر الله في خطبته الأخيرة ان الاستراتيجية الدفاعية الوحيدة الممكنة هي تسليم الدولة للسلاح وليس تسليم السلاح للدولة. عدا ذلك هو مؤامرة على المقاومة.
ومع واقع موازين القوى، ما من خيار لمعارضي حزب الله سوى الخضوع أو النفي أو الموت، وإذا قررت 14 آذار أن تواجه، فالمعضلة ان المقاومة تتفوق بسنوات ضوئية تسلحاً وتدريباً وخبرة وجهوزية. عدا أن في ذلك مأزقاً أخلاقياً وتاريخياً: استئناف حرب أهلية لا يريدها الشعب اللبناني.
استراتيجية حزب الله تشبه تقريباً استراتيجية النظام السوري الذي دفع عمداً الثورة السلمية، تحت واقع اليأس من مواجهة الدبابة باللحم الحي، إلى ان تصير مسلحة، وفرض الحرب على الشعب السوري. نصر الله يحاول دفع 14 آذار (والمحبطين من أداء 14 آذار خصوصاً) إلى يأس السلاح ويأس العنف، فهو في تطرفه، وفي إمعانه بإهانة معظم اللبنانيين ونوابهم وأحزابهم وقادتهم، يحاول عسكرة الخلاف السياسي، ويغذي غرائز التسلح والفوضى، تلك هي البيئة ـ إن استتبت ـ التي ينتصر فيها الحزب.
انتهى السجال السياسي في لبنان. ونصر الله الذي يستكمل حرب الـ30 عاماً، نجح في النيل من طرابلس وبيروت وصيدا. فلم ينتبه أحد تقريباً كيف تم ويتم قضم هذه المدن ـ العواصم، مدن لبنان الكبير وحواضره الأساسية، انه أهم إنجاز استراتيجي له، يوازي أو يحقق مقولة ما بعد ما بعد حيفا.
واقعياً، انتهى اتفاق الطائف، وحتى يأتي البديل سيمر زمن طويل ونحياه في حضن الفاشية وكرم أخلاقها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.