نظن أن ذلك حدث في منتصف الثمانينات، حين باتت السينما الأميركية خالية من التدخين. كانت نظافة الأفلام من السجائر بالنسبة الينا أشبه بفيلم حربي لا تجري فيه المعارك. إذ ماذا يفعل التحري مثلاً حين يجلس مع نفسه محبطاً؟ ماذا يفعل البطل وهو يقف منتظراً عند محطة القطار؟ ما هي الحركة التي بها يوقّع حضوره ويعبّر من خلالها عن انفعالاته؟ كيف سيوحي لنا البطل عن استرخائه بعد ممارسة الجنس أو الانتهاء من مشادة أو الخروج من مأزق؟ كيف سنتخيل زعيم مافيا من دون سيجار في فمه.. وأي بدائل لديه للتعبير عن استعراضيته وعن سلطته بين أتباعه؟ ذلك ما جعل أغلب الأفلام وشخصياتها تبدو ناقصة، وباردة ونظيفة بما يفوق الواقع. وكان لدينا شعور دائم بأن خلو هذه الأفلام من التدخين، هو على الأغلب درس تربوي تم إقحامه علينا على نحو استفزازي. إذ من قال إننا جميعاً يجب أن نكون في نمط حياتنا وسلوكنا أشبه بهوس الأبطال الأولمبيين؟ السينما، حياتنا الثانية، صارت واعظة سمجة.
صاحَبَ حظر السجائر في الأفلام اندلاع موضة الأيروبيك، ورحنا نتخيل البشرية جميعها تستيقظ صباحاً وتبدأ بمشاهدة الفيديو اليومي لجين فوندا، وتقلّدها في تمارينها الرياضية. كان العالم أشبه بمركز تأهيل. هوس بالعضلات والانضباط الصحي والرشاقة. كانت تلك عقيدة كاملة تفرض مبادئها وثقافتها على نحو كاسح، بوصفها علامة التحضّر والتقدم. فيما نحن المدخنين صرنا نشعر أننا نتأخر عن زمننا هذا، وأننا ضحايا خطأ تاريخي وعلامة على التخلّف الاجتماعي. وسرعان ما لجأت السينما نفسها الى تصوير الشخصيات السلبية، الشريرة، الفاشلة، العالقة في القاع الاجتماعي، بأنها هي التي تمجّ السيجارة. عدا تلك المشاهد التي تصور البطل الذي إذ يمر بلحظة يأس، لحظة التخلي، فيتناول سيجارة ثم يرميها قبل أن يشعلها تدليلاً على انتصاره على شيطان التبغ.
وصلت الحرب على التدخين أخيراً الى لبنان. وفجأة بات اللبنانيون، المنغمسون حتى النخاع في السجالات السياسية الحادة والمصيرية، متورطين في سجال وطني حول منع التدخين في الأماكن العامة المغلقة، وفي وسائل النقل العمومية. أصاب القانون الجديد أولاً فلكلور النرجيلة، هذه التي منذ أواسط التسعينات تم جلبها من التراث ومن هامش العادات لتتحول الى رمز وطني يماثل أعمدة بعلبك أو صحن التبولة، وتصبح معلماً سياحياً شهيراً، هي الآن ممنوعة في المطاعم والمقاهي المغلقة. يمكن القول منذ الآن إن حقبة تاريخية انتهت. تلك الحقبة التي شهدت ظهور إيروتيكية المزاوجة بين النرجيلة والفتيات اللبنانيات، المتأنقات والمتبرجات، وهن ينفثن دخان المعسّل والتنباك ستتلاشى قريباً.
لكن أيضاً أصاب هذا القانون ثقافتين تبغيتين: المقهى والحانة. ففي المقهى حيث فنجان القهوة والجريدة والنقاشات الصاخبة، أو تأمل الذات والمارة وتمارين الوحدة.. عادة ما تقترن كلها بالتدخين، وأحياناً فإن دافع التدخين والتمتع به هو الذي يؤلف فضاء المقهى ومجمل طقوسه. من المقهى وعن المقهى كتب بول شاوول دفتر سيجارة الشعري، مدوناً ذاك المديح الاستثنائي والشغوف بالسيجارة وعوالمها: كان يدخن مئة سيجارة تقريباً في اليوم. مئة شمس تشرق وتنطفئ بين أصابعه. مئة سيجارة من صنف واحد. وكل سيجارة بنكهة مختلفة. فأول سيجارة ليست كالثانية ولا كالثالثة ولا كالأربعين أو ما بعدها: كل سيجارة تأخذ طعمها من كل شيء: تأخذ من الصبح نقاءه، ولا مانع عطر زهرة أو هديل اليمام، وتأخذ من الظهيرة قوتها وعنفها وإصرارها كميزان عدالة معلق في القبة السموية، ومن الليل هدوءه. طعم العتمة أو عبق الكتب أو شميم النساء العابرات في المقهى، ومن الشارع. روائح الأصوات والجلبة والسوق وحتى الخضار والواجهات والملابس: شميم الشارع عندما تختلط روائح الأرصفة بروائح الناس، وتتنشقها كلها في مجة سيجارة أشعلتها وسط الرصيف وأبقيتها في فمك على امتداد خطاك.
أما في عالم الحانة، فإن طقس السهر مع الكأس والكثير من السجائر، هذه المزاوجة الحميمة بين الكحول والتبغ، فيبدو ذلك ابتداء من الآن محرماً أو مقموعاً. سيطرد المدخّن الى الخارج، سيقف تحت المطر أو في البرد القارص من أجل أن يسرق لنفسه سيجارة واحدة. سيكون الذهاب الى الحانة منطوياً على معاقبة لكل مدخن، مكابداً الحرمان من تلك المتعة، وخاسراً ذاك الإيقاع المحسوب والمحبب بين تناول الكأس وإشعال السيجارة.
ثقافة التدخين تنتهي الى الماضي المرذول، الى سينما الأبيض والأسود، لكن الى شعرية الماضي أيضاً، مثلما شاهدنا ذلك مثلاً في فيلم Good night and good luck لجورج كلوني مع شخصية المذيع التلفزيوني إدوارد مورو التي جسدها دايفيد ستراثيرن، رجل لا يفارق سيجارته، المتلازمة مع تلك الأناقة الصارمة وتصفيفة الشعر الدقيقة، وعمق التفكير. كأن كل فكرة آتية من الدخان نفسه.
يقول الصديق الروائي حسن داوود: كنت أكتب لأدخن، لا العكس. تلك كانت متعة حياتي، ومنذ أن توقفت عن التدخين بتّ أكتب بحكم العادة، لكن بلا أي متعة.
هل لهذا السبب نشعر أن الكتابة نفسها، كما التدخين، كما حميمية الجريدة الورقية، تذهب الى شعرية الماضي؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.