تقول أقصوصة شعبية إن ولداً، وليكن إسمه أحمد، كان كسولاً في مدرسته ومشاغباً، وكان والده غاضباً عليه باستمرار ويعاقبه كلما عاد أحمد إلى البيت حاملاً علامات رسوبه في صفه، صارخاً في وجهه، معيّراً إياه بابن الجيران علي، الناجح دوماً والمهذب. ومرة عاد أحمد من المدرسة إلى البيت مبتهجاً قافزاً من الفرح... فسأله أبوه أخيراً نجحت؟ فأجابه أحمد لا، رسب علي.
والحال، أن الكثير من الممارسة السياسية في لبنان يشبه سلوك الفتى أحمد. فالأحزاب والتيارات والشخصيات السياسية اللبنانية لا تجتهد أو تعمل على تحقيق نجاحات أو تنفيذ برامج واضحة أو معلنة، بل هي تنشغل يومياً في توفير السبل لإيقاع الخصوم في الفشل. وإذا كانت الأطراف كلها تتبادل في ما بينها هذا المسعى، فهي باستمرار تدور في دوامة الفشل، على نحو يبقيها في قاع هذه الدوامة، راسبة وخائبة.
تمظهرت ثقافة الفشل في مطلع التسعينات، أي مع خروج لبنان من أسر الحروب المتناسلة، الى سوية السلم والحياة السياسية الطبيعية، والانطلاق في المهمة الوطنية الكبرى: إعادة الإعمار، وإعادة بناء الدولة والمؤسسات، وترميم المجتمع وتنظيم الاقتصاد.. الخ. وإزاء هذا المشروع العام، الكثير التفاصيل والمتشعب في خططه، ظهر فكر سياسي، اعتراضي، لا عنوان فعلياً له ولا هدف سوى إفشال مشروع إعادة الإعمار وتكريس الإحباط وإبقاء الخراب على خرابه بوصفه البيئة المثالية لتعبئة المحازبين وحشد الناخبين وجمع الناقمين. ومن أجل ذلك كان يجب إبقاء المحبطين على إحباطهم والمغبونين على غبنهم. وعمل هذا الفكر السياسي على تكريس سلوك وقناعات تقوم أولاً، على التمنّع عن الانخراط في مشروع إعادة الإعمار أو المشاركة في صياغة وجهته. وثانياً، في أخذ السياسة اليومية نحو التحريض عليه وإعاقة سبل نجاحه، وتوفير أي سبب لإفشاله وتقويضه، إلى حد شيوع حالة من الحقد الراسخ على مطلق إنجاز حتى ولو كان مجرد تدشين جسر جديد.
كانت الوصاية السورية ترعى هذا الفكر وتغذي ثقافة الفشل من أجل ديمومتها وبقاء تسلّطها. فلبنان الدولة الفاشلة يسوّغ بقاء الإدارة السورية له. وعلى نطاق أوسع وأخطر، كان تيار تعميم الفشل، قد تعمد مراراً وتكراراً سد السبل أمام طموح لبنان في تحقيق السلام على حدوده الجنوبية وانهاء الاحتلال بأسرع وقت وبأقل كلفة ممكنة. فسيرة المفاوضات الإقليمية ـ الدولية، وخطط إرسال الجيش الى الحدود آنذاك، كلها تعرضت، عن سابق تصور وتصميم، للإحباط أو الإفشال. إذ إن الاضطراب وحال الحرب كانا هما المناخ المناسب لازدهار أهل الفشل وتفوق سياستهم.
في العام 2005 اضطر جهاز سياسة الفشل إلى ان يُقدم على اغتيال الرئيس رفيق الحريري مبتدئاً سلسلة من الاغتيالات والتفجيرات والأعمال الإرهابية، تهدف إلى منع لبنان عن الوعد الذي لاح قريباً جداً بالخلاص، بتذوق طعم النجاح: تطور إقتصادي، مصالحة وطنية فعلية، رأي عام إيجابي ومتفائل، دولة بدأت تتحسس سلطتها وتطلب سيادتها، مؤسسات تعمل وتتطور، نضج سياسة وطنية إستقلالية عابرة للانقسامات الأهلية والطائفية السابقة... كل ذلك، كان خطراً داهماً على حلف الفشل، الذي سيسمى لاحقاً حلف 8 آذار الذي قام فقط من أجل إفشال إنتفاضة الاستقلال. حلف قام على جملة لاءات، من دون نعم واحدة: لا لانسحاب الجيش السوري ومخابراته، لا لتنفيذ القرارات الدولية، لا لاتفاق الطائف، لا للتحقيق في جرائم الاغتيال، لا للمحكمة الدولية، لا لبسط الدولة سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، لا لضبط السلاح غير الشرعي (الفلسطيني أو اللبناني)، لا لتفكيك البؤر الأمنية، لا لنتائج الانتخابات النيابية.
كانت استراتيجية 8 آذار تقوم على رسوب لبنان في كل امتحان. فشرط بقاء المقاومة هكذا، جيشاً مستقلاً ومجتمعاً منفصلاً وإدارة سياسية مغتربة عن الدولة، هو دوام لبنان على حكومة فاشلة وعاجزة، وعلى جيش وطني ضعيف وحائر، ومجتمع شديد الانقسام، متنابذ، فيه أشرف الناس (أهل المقاومة) وبيئة حاضنة للعمالة (بقية اللبنانيين).
نجحت، والحق يقال، تلك الاستراتيجية منذ 7 أيار 2008، إذ أحيت الميليشيات المسلحة بوصفها الأداة الناجعة (والوحيدة) لحسم النزاعات السياسية، وأيقظت التحزّب المذهبي بوصفه الوعي الحقيقي الوحيد والهوية الصحيحة للجموع والمواطنين، وعممت أعمال الشغب وقطع الطرق والاعتصامات المسلحة بوصفها تكتيكات فعالة في السياسة، وفي هدم أركان الدولة وتقويض القوانين العامة. وهكذا في سنوات قليلة استطاعت تلك الاستراتيجية أن تنشر تقاليد سياسة الفشل. فراح حلف 8 آذار يبتهج، كما فعل الفتى أحمد في لحظة رسوب علي، كلما رأى فلتاناً أمنياً هنا، أو قطع طريق هناك، أو اعتصاماً فوضوياً هنالك، أو خطفاً عشائرياً أو مظهراً مسلحاً.. فصار يقول: طرابلس، طرابلس.. إنها ضاحية الشمال تيمّناً بالضاحية الجنوبية وأحوالها، بمعنى ما أحلى الفشل عندما نتساوى فيه.
لبنان الفاشل تلك هي النظرية التي تستميت قوى 8 آذار لإنجاحها وتكريسها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.