8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

قضى اللبنانيون عقوداَ ثلاثة وهم منقادون إلى حروب متناسلة يمدّدها ويستأنفها إما احتلال اسرائيلي، تتخلله اجتياحات مدمرة، وإما وصاية سورية عسكرية مخابراتية وسياسية، تخللتها اجتياحات وحروب قاسية. ومع خروج الجيش السوري من لبنان في نيسان 2005، ثم البدء بتنفيذ القرار 1701 (الوقف العملي لنشاط المقاومة)، أتت أخيراً الفرصة التي اعتقد اللبنانيون أنها ستفتح الطريق نحو استعادة بلدهم وعودتهم إلى أنفسهم والبدء ببناء دولتهم واصلاح ما تخرب من جمهوريتهم.
هكذا، وبعد استعصاء مضنٍ استرد اللبنانيون السيادة من جهة، وأنجزوا التحرير من جهة ثانية، وساد الاعتقاد المتفائل أن قيامة الدولة وإنجاز الاستقلال (الثاني) قد باتا متاحين، بعد الزوال المزدوج لـالاحتلال ولـالوصاية، وأن تلاقي اللبنانيين ورغبتهم المشتركة بمصالحة وطنية شاملة وفق اتفاق الطائف، لهو أمر بديهي ونتيجة عقلانية وحتمية.
لكن، وعلى الرغم من حدوث انتخابات نيابية مرتين (2005 و2009) إلا ان لا نتائجها ولا نتائج طاولة الحوار الوطني كانت كافية لتحقيق الاستقرار وتثبيت السلم الأهلي وتوطيد الدولة ومؤسساتها. ولا كانت كافية لتغليب النظام الديموقراطي وأعرافه على الحياة السياسية.
لقد تبين أن إنجاز التحرير لم ينه معه مقاومة إسرائيل، ولم يؤدِّ إلى انتفاء الاضطرار إلى حمل السلاح، بل تحولت منظومة السلاح إلى الرقم الصعب في المنازعات السياسية الداخلية، مع ما يعني ذلك من غلبة، لا تقوى عليها لا الانتخابات ولا الحوارات ولا أحكام الدستور والقوانين.
كما تبين أن استعادة السيادة وانسحاب الجيش السوري لم يكونا كافيين لطي زمن الوصاية وأجهزته، التي تستمر حتى اليوم في إدارة أذرعها وأتباعها وحلفائها من مجموعات حزبية وطائفية لا تزال تتغذى من ديمومة الحرب الباردة الداخلية، وتعمل على تأجيجها باستمرار، وتقوّض كل محاولة لسيادة الدولة على أرضها وشعبها.
أمام هذا الاستعصاء، ينظر اللبنانيون إلى الحدث السوري بوصفه لحظة سانحة للتخلص من نظام يتحمل المسؤولية الكبرى في انتاج الحرب وإدامتها. وإذا نجحت الثورة السورية، فمن المحتمل أن غياب نظام آل الأسد قد يسهل كثيراً إنهاء الظروف السائدة في الداخل اللبناني الأشبه بالحرب الفاترة.
كذلك فإن نهاية النظام البعثي، حليف منظومة السلاح غير الشرعي، قد تشكل فرصة، لا ثأر فيها ولا تصفية حسابات، بل أن يضطر فيها حزب الله (حامل السلاح) إلى أن يساوي نفسه بمن سبقه بحمل السلاح، ويخضع تالياً لاتفاق الطائف. وهذا يعني ضمناً، عودة الهدوء إلى الطائفة الشيعية في معايشتها للطوائف اللبنانية الأخرى.
لكن المعضلة، أن قسماً من اللبنانيين عقد تفاهماً أو صفقة قايض فيها إضفاء الشرعية على السلاح مقابل نفوذ مستجد لهم في الدولة وفي بيئتهم السياسية. هذه المقايضة التي أبرمها التيار العوني تحديداً تتكشف اليوم أثمانها الباهظة عليه (بات يصرخ: نريد دولة!).
إضافة إلى ذلك، لمّح مراراً حزب الله إلى أن أي تسوية محتملة للسلاح يجب ان تتضمن إعادة نظر في حصص الطائفة الشيعية في النظام اللبناني. وهذا الطرح يعني ان السلاح قبل أن يُسلّم أو يُدمج في الدولة وتحت أمرتها، يجب أن يأتي بامتيازات إضافية للطائفة التي تحتضن وتحمل هذا السلاح. وهذا، حتماً سيؤدي إلى إطاحة وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف)، وقد يشجع الطوائف الأخرى على الأخذ بهكذا معادلة وامتلاك السلاح سعياً لإشباع شهيتها في أي امتيازات إضافية. وبالتالي سيجد اللبنانيون أنفسهم في سباق تسلح خاتمته العودة إلى حرب أهلية جديدة.
لذا، قد لا يُترجم انتصار الثورة السورية، انكساراً لحلفاء النظام في لبنان، طالما أن ديناميكية المنازعات اللبنانية لها روافدها الداخلية أيضاً. وهي تتصاعد في حدتها المذهبية والطائفية. فالمدهش أن الكثير من اللبنانيين أخذوا من الربيع العربي وثوراته، أعراضه الجانبية السيئة فقط، الحقيقية منها والموهومة. فهم رأوا فقط السلفية والظواهر المتطرفة، ونفخوا في حجمها واثرها، واستمسكوا بمقولة حماية الأقليات وأخذوا على تلك الثورات اضطرارها احياناً للعنف (الإعلام اللبناني الموالي للنظام السوري يذمّ حمل السلاح!).
المعضلة اللبنانية، لن تحلها الثورة السورية بالتأكيد. ومستقبل النظام اللبناني لا يبدو متسقاً مع الربيع العربي، الذي إذ يتجه الى اقامة الدولة الوطنية وفق نظام ديموقراطي، مدني، تتصالح فيه الجماعات الأهلية بإراداتها الحرة وتكتب دساتيرها الجديدة، نرى في الوقت عينه نكوصاً لبنانياً عن المصالحة الوطنية وعن النظام الديموقراطي وعن الدستور.. وعن التاريخ الذي تكتبه الشعوب العربية الآن.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00