8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المجزرة السورية

ليست السلطة وحدها هي مطلب صدام حسين أو معمر القذافي أو بشار الأسد. هؤلاء تحديداً يختلفون في استبدادهم عن حسني مبارك أو زين العابدين بن علي مثلاً. فالرئيس المصري المخلوع كانت معقودة له مؤسسة الرئاسة، وله السيطرة على أجهزة الأمن الداخلي، فيما فقد في السنوات الأخيرة هيمنته على الإعلام، وأظهرت الانتفاضة الشعبية العارمة استقلالية الجيش، ولم يبد الجهاز البيروقراطي الضخم أي ولاء سياسي فعلي سوى للدولة وليس لشخص الرئيس أو حاشيته. والقمع بكل أشكاله، كان يخضع لموازين وحسابات داخلية وخارجية، تجعل السلطة مقيدة نسبياً وعاجزة عن إبادة المعارضة أو نفيها. وهذا ما ينطبق على حال سلطة بن علي. وحتى في الاقتصاد، ورغم فداحة استغلال النفوذ وما رافقه من فجور وفساد كبيرين، فإن الأعمال والثروة المالية لم تنحصر أبداً بيد السلطة وحدها، وربما كان تحسّن أحوال الطبقة الوسطى وتوسّعها هما من الأسباب المباشرة للثورتين المصرية والتونسية. إذ إن التوسع في السفر وازدياد فرص التعليم وانتشار التكنولوجيا، ساهم كله في محاصرة السلطة، وقلل كثيراً من انقياد المجتمع وطاعته العمياء للسلطة.
كان بقاء مبارك وبن علي أو سقوطهما يخضع لـشرعية الطاعة التي يبديها المجتمع أو يخرج عليها. لذا، فإن ذهاب مبارك إلى السجن وبن علي إلى المنفى، بعد مقاومة ركيكة وكاريكاتورية (بضعة أسابيع وحسب)، يكشف أن ثمة حدوداً سياسية وأخلاقية كانت تحفُّ سلطتهما. لقد افتقد مبارك وبن علي لخطاب إيديولوجي توتاليتاري يدجنان به المجتمع. لذا كانت السياسة (الرأي والاعتراض) ممكنة، ولو في حدها الأدنى، في مصر وتونس.
في حال عراق صدام وليبيا القذافي وسوريا الأسد، ليست الرئاسة هي المطلب، بل مصادرة الدولة ودفن المجتمع، وإزالة كل تمايز أو تعدد لأوجه السلطة (تشريعية أو قضائية أو تنفيذية) وتوحيدها في عقله وفمه ويده.
هكذا يغدو الشخص هنا هو الأمة مجسدة فيه. هو الإرادة الوحيدة والدستور الحي. الديكتاتورية التامة، والفاشية في أحط صورها. ومن أجل ديمومتها تتحول السلطة إلى مشروع عنف مستمر، تنخرط في حرب مفتوحة على المواطنين. شرط الطاغية هو نصبه العداء ضد مجتمعه. وهذا ما يتيح له، أخلاقياً، ممارسة القتل، وسحق أي تمرد أو اعتراض، بكل وسائل القوة المتوفرة له.
ليس النفوذ والجاه والمال والشهرة فحسب، مطلب من هم على شاكلة القذافي أو بشار الأسد، بل التمتع بممارسة السيطرة المطلقة، الانغماس في لذة التسيُّد القسري، وفي لذة التغلب العنيف، والبحث عن نشوة الفوز بمصارعة الآخرين وقتلهم إن أمكن. صدام حسين والقذافي كانا يستعرضان أساليب هذه الممارسة، بوصفها دعاية مؤثرة إضافية لقوتهما. بينما يلجأ الأسد الإبن إلى تمويه الوحشية بمظهر التهذيب واللطف، بل وأحياناً بمظهر الرقة العاطفية. وبهذا المعنى، هو ديكتاتور حديث، تلفزيوني ـ إعلامي وترويجي، يطلب الإعجاب من قتلاه ومن ضحاياه ومن المتفرجين.
الثورتان التونسية والمصرية، اكتفتا بالتظاهر والعصيان المدني. النزول إلى الميادين والتظاهر والاعتصام، مزق العقد المبرم بين المواطنين والسلطة، التي مارست عنفاً محدوداً ومتوقعاً وهزيلاً، فانتهى أمرها سريعاً ورحلت. أما في حال صدام، فحتى الثورة الشعبية المسلحة لم تكن كافية لإزاحته، وتطلب الأمر حرباً خارجية بائتلاف دولي قادته الولايات المتحدة، فيما القذافي سقط بحرب داخلية خسرها، لفرط تخريبه المنهجي لكل تنظيم، ومنه الجيش المنظم. أما بشار الأسد، فمصيره لم يحسم بعد، رغم مرور سنة ونصف السنة على حربه الضروس ضد الثورة السورية، مستثمراً البناء (أو التخريب) الممنهج الموروث من عقود الاستبداد البعثي وعقود ديكتاتورية أبيه، المصحوبة بخطاب توتاليتاري وبتقاليد عريقة ومديدة في التدجين وفي زرع الخوف والرعب.
الدولة، في غايتها، تسعى إلى تحقيق السعادة العامة، والخاصة. أما عندما تكون في عهدة ديكتاتورية من صنف بشار الأسد، فهي تنتقل من سوية التسلط الطبيعي إلى علاقة الإرهاب من طرف واحد، السعادة للسلطة والإرهاب المستديم للمجتمع. لذا فإن السمة المميزة للثورة السورية بين ثورات الربيع العربي، ستكون المجازر والقتل الجماعي. الاستبداد هنا يصير عنفاً محضاً. والثورة لن تكون حقيقية ولن تستمر إن لم تكن عنيفة بدورها. كل اعتراض على العنف الثوري ليس طرحاً أو اقتراحاً حالماً ومثالياً، بل هو يغدو تسليماً لحصرية العنف بالسلطة واستسلاماً لها. وأكثر من ذلك، إذا لم يشكل العنف الثوري رادعاً ولم يتقدم بالثورة نحو أهدافها، يغدو طلب العون العنيف من الخارج مطلباً انسانياً ومشروعاً.
لقد حان وقت وقف المجزرة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00