طلاب شهادة البكالوريا هذه الأيام يذهبون إلى الامتحانات الرسمية، كل يوم صباحاً ينطلق الأهل بأبنائهم إلى مقرات الامتحان، وهم غير واثقين إن كانوا سيصلون في الوقت المحدد. فقد يعترضهم طريق مقطوع بالإطارات المشتعلة، أو باعتصام غاضب، أو حتى باشتباك محلي.
الأسوأ من ذلك، أن الطلاب أنفسهم لا يعرفون إن كان الأساتذة المصححون سيقومون بعملهم، فهم على خلاف الآن مع وزارة التربية والحكومة، وقد يمتنعون ويضربون عن العمل والتصحيح، ويأتي ميعاد الدخول إلى الجامعات بعد انقضاء الصيف، ويبقى مصيرهم معلقاً ويفوتهم الالتحاق بالكليات. هكذا يتمرنون على المستقبل اللبناني.
المغتربون اللبنانيون، يترددون منذ أيار في قرار زيارة بلدهم، إنهم بانتظار جلاء الأوضاع الأمنية، التي تبدو مرشحة للتدهور في أي لحظة، وفي أي مكان، بدءاً من طريق المطار نفسه. لذا، قد ينقضي الصيف وينتهي أجل الإجازات من دون أن يستقر حال لبنان على أمن وطمأنينة. وبالتالي فهؤلاء المغتربون، بأغلبيتهم سيبقون على اغترابهم. وستبقى هكذا الجبال والقرى والمدن ببيوتها وفنادقها عالقة في الانتظار المرير. وهكذا يقيم اللبناني على غربته.
المواطنون اللبنانيون، من حملة الهاتف الخلوي، عليهم أن يجرّبوا أكثر من مرّة اتصالهم كي ينجحوا في أي مخابرة يجرونها. وهم على الأغلب ينخدعون بأن الخط مقفل أو مشغول، فيما الحال ليس كذلك، بل هو ضعف متفاقم في الخدمة والشبكة، تزيد عليه تلك الأمور السرية التي تحيط بإدارة الاتصالات السلكية واللاسلكية، على نحو شرعي أو غير شرعي، أمني أو غير أمني.. والله أعلم.
هكذا يتقنون فنون الغيب والصمت.
نسي اللبنانيون مشاريع الإعمار، مشاريع التنمية، مشاريع القوانين الجديدة، مشاريع البنى التحتية، مشاريع البيئة، الرعاية الاجتماعية، الضمان الصحي للجميع، مشاريع السدود والري والتشجير، مشاريع التكنولوجيا ومعامل معالجة النفايات والصرف الصحي وتنظيف الشواطئ والتنظيم المدني. نسي اللبنانيون مشاريعهم الفردية الصغيرة: أن يباشروا تجارة، أن يؤسسوا مصنعاً، أن يفتحوا دكاناً، أو يؤثثوا منزلاً، أو حتى أن يتمتعوا بإجازة. نسي اللبنانيون ما ابتدأوه منذ التسعينات: فكرة بلد مزدهر ودولة ديموقراطية وسلماً أهلياً دائماً. انهم اليوم يعودون إلى الاحتياطات الأولية: قليل من الأمن وقليل من الكهرباء وقليل من دولة. هكذا نتدرب على تقنيات البؤس مجدداً.
انتهى حتى الاحتجاج والاعتراض. لقد حلّ الإرهاق واليأس، تماماً كما كان اللبنانيون في زمن الحرب: وجوه خائفة، واجمة، متشائمة. وجوه ما عادت قادرة على الشكوى، فشكواها عبث، طالما أن السياسة الملجومة بقوة الميليشيات باتت عبثاً، بل إن الشكوى نفسها باتت حكراً على الموالين للحكومة. أعجوبة إلهية إضافية. هكذا نتعلم فن البقاء على قيد الحياة.
انتهى بنا المطاف أن نطمح بنجاح الشهر الأمني، كأننا تماماً رجعنا، بأعجوبة إلهية، إلى قاموس الحرب وزمن الحرب ويوميات الحرب. هكذا نتذكر العيش في كنف السلاح وتحت رحمة أهل السلاح.
لا شكوى بعد اليوم. تلك هي أعجوبة حكومتنا.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.