في 9 نيسان عام 1948 قامت منظمتان صهيونيتان (أرغون وشتيرن) بالهجوم على قرية دير ياسين الفلسطينية. حيث ارتكبت عن عمد مجزرة راح ضحيتها وفق المصادر العربية نحو 360 ضحية.
من تلك الجريمة ابتدأت سيرة النكبة الفلسطينية بكاملها، وربما كانت هي الحدث الذي على إثره تمت الحرب العربية الإسرائيلية الأولى عام 1948، وهي أيضاَ التي كان لها السهم الأكبر في النزوح الجماعي للسكان الفلسطينيين وضياع وطنهم.
مجزرة واحدة تكفي ليبتدئ تاريخ كامل، ولتتأسس عليها ذاكرة دائمة، ولتحل المأساة كلعنة تتوارثها الأجيال. تبقى جرحاً لا يندمل في روح الجماعة، إلى حد أنها تصير مرادفاً للهوية.
مجزرة واحدة تكفي ليصير القتلة (ونسلهم) قتلة إلى الأبد، والضحايا وأحفاد أحفادهم ضحايا إلى الأبد، ولتنتصب الجريمة نصباً تذكارياً في الوجدان. وعلى هذا النحو بات الفلسطينيون جميعاً هم ضحايا دير ياسين، ضحايا دائمين.
في 29 تشرين الأول عام 1956 قام أبناء قتلة دير ياسين بارتكاب مجزرة بأبناء ضحايا دير ياسين في قرية كفرقاسم راح ضحيتها نحو 48 مدنياً فلسطينياً. كان تجديد المجزرة هو استئناف للجريمة التي تنظم العلاقة بين دولة اسرائيل والشعب الفلسطيني. ختم دموي لصك العداوة.
الشعب الفلسطيني سيختبر مجازر متكررة، في 12 آب عام 1976 وبعد حصاد دام أكثر من 52 يوماً ستدخل ميليشيات لبنانية وقوات سورية إلى مخيم تل الزعتر. وستكون حصيلة الهجوم سقوط نحو ثلاثة آلاف ضحية فلسطينية.
في 16 أيلول عام 1982 وبشراكة بين ميليشيا لبنانية بقيادة إيلي حبيقة والجيش الاسرائيلي بقيادة أرييل شارون سيتعرض مخيم صبرا وشاتيلا الفلسطينيان إلى مجزرة مروعة يسقط ضحيتها اكثر من 3500 مدني فلسطيني.
لكن قبل صبرا وشاتيلا، وتحديداً في 2 شباط 1982 ستبدأ القوات النظامية السورية، بقيادة حافظ الأسد وبأمرة ميدانية من أخيه رفعت الأسد، بارتكاب مجزرة حماه، التي استمرت 72 يوماً قضى فيها النظام السوري على عشرات الآلاف من المدنيين، وهي تعتبر الحملة الأعنف والأكثر دموية في تاريخ سوريا الحديث.
في هذه الأثناء، وما بين عام 1975 وحتى العام 1989 سيعيش اللبنانيون حروباً أهلية واقليمية، كانت بمثابة مجازر يومية وموسمية متنقلة. فعدا القتل بالقنص والقصف العشوائي الذي يستهدف المدنيين، قامت مختلف الميليشيات، بارتكاب مجازر متعمدة في المدن والقرى طوال فترات الحرب. ويمكن اضافة السيارات والشاحنات المفخخة (وهي من اختراعات الحرب في لبنان) التي كانت تنفجر في الشوارع العامة والأسواق مستهدفة اكبر عدد من السكان، بوصفها سلاح مجزرة (يقارب عدد ضحايا الحروب اللبنانية نحو 160 ألف قتيل).
في العام 1988 قامت قوات صدام حسين بحملة الأنفال ، هي أقرب إلى حرب إبادة ضد الأكراد، وهم من الشعب العراقي، وراح ضحية هذه الحملة أكثر من 182 ألف نسمة، منهم في مجزرة حلبجة (بالسلاح الكيماوي) نحو 5500 شخص (معظمهم من النساء والأطفال).
في 18 نيسان عام 1996، وأثناء الاجتياح الجوي والمدفعي الاسرائيلي لجنوب لبنان تحت عنوان عناقيد الغضب ارتكبت القوات الإسرائيلية مجزرة بالقصف المتعمد (حسب التقرير الأممي) على ملجأ تابع للأمم المتحدة راح ضحيتها 106 بين طفل وامرأة هم من سكان قرية قانا.
القرية نفسها ستكون في 30 تموز 2006 عرضة لمجزرة اسرائيلية جديدة، بالأسلوب نفسه (قصف ملجأ) يسقط فيه 55 ضحية، منهم 27 طفلاً. تكرار الجريمة يبدو أسلوباً اسرائيلياً منذ مذبحة دير ياسين.
النظام العراقي كرر حملة الأنفال عام 1991 ضد انتفاضة جنوب العراق وشماله. في الجنوب العراقي وحده قتلت قوات صدام حسين ثلاثمئة ألف مواطن في 14 يوماً، بمعدل 20 ألف قتيل يومياً.
في 27 أيار 2011، سيكرر النظام السوري فعلته في مدينة حماة ويرتكب مجزرة جديدة يسقط فيها أكثر من 50 ضحية. ومنذ آذار العام الماضي، تقوم القوات الموالية للنظام بحملة قتل أنفالية في كل أنحاء سوريا، ذهب ضحيتها حتى الآن أكثر من 13 ألف مواطن بالاضافة إلى عشرات الآلاف من الجرحى وما يوازيهم من أعداد المعتقلين والمفقودين.
النظام السوري في الآونة الأخيرة، وبحربه على الشعب السوري، جمع بين الأسلوب الإسرائيلي والأسلوب اللبناني والأسلوب العراقي إضافة إلى إسلوبه المعروف (تل الزعتر، حماة 1982): القصف المتعمد للملاجئ، التفجيرات الإرهابية في الميادين العامة، اقتحام قرى، واعدام نسبة محددة من السكان، حملة إبادة وتهجير لمنطقة معينة (حمص، جسر الشغور..).
في 25 أيار 2012، مزجت قوات النظام السوري بين تكتيك منظمتي ارغون وشتيرن والميليشيات اللبنانية، وتكتيك الجيش الإسرائيلي وكتائب رفعت الأسد في هجومها على قرية الحولة السورية، فعمدت إلى مفاجأة البلدة بقصف عنيف ومركز على منازلها تبعته بهجوم من المسلحين الشبيحة دخلوا على ما بقي حياً من القصف وقتلوه رمياً بالرصاص أو ذبحاً بالسكاكين.
مجزرة الحولة الأخيرة هي استمرار لتاريخنا المشترك كضحايا ومرتكبين في آن. ومأساتنا الأخلاقية الكبرى اننا لم نعرف بعد أن نتضامن سوية كضحايا او نحاكم أنفسنا كمرتكبين، إلى حد أن بعض الضحايا يساندون القاتل بل ويذهبون إلى إنكار سمة الضحية على بعضهم الآخر.
بعض ضحايانا يرتكبون أحياناً مجرزة بالضحايا الآخرين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.