في الثامن من شباط الماضي أصدر تيار المستقبل اللبناني وثيقته السياسية المتعلقة بالربيع العربي. يندرج هذا الفعل بسياق تقليد في الأدبيات السياسية، تجدد وتكاثر في لبنان بعد العام 2005، ودأبت عليه الحركات السياسية المتصارعة في مسعى منها للتأكيد على ان لصراعاتها منحى إيديولوجياً أعمق بكثير من التنازع على السلطة مثلاً، وأوسع من الاختلافات المحلية. وإذا كانت حركة 14 آذار قد حرصت طوال ثماني سنوات على إطلاق اكثر من وثيقة سياسية، وضعت فيها ثوابتها ومبادراتها ورؤاها... وهي كلها تتمحور حول تحقيق الاستقلال ومشروع الدولة وتطوير النظام الديموقراطي وتثبيت السلم الأهلي، مع انحياز مستمر للانفتاح على العالم (التكامل مع العالم العربي ومصالحة الغرب).. فان هذه الوثائق كلها تتضمن على الأقل في منطلقاتها ثقافة ليبرالية ولغة مدنية، على الرغم من نبرتها الخجولة في مقاربتها لاصلاح النظام اللبناني.
في المقابل، كان حزب الله قد أصدر وثيقة سياسية عام 2009، هي الثانية له منذ العام 1985، ويمكن اعتبارها أولاً عبارة عن رد اضطراري على امتلاء الفضاء اللبناني بالوثائق والبيانات التي أطلقتها القوى المناوئة له، وثانياً هي عبارة عن إقرار بـتطور حزب الله السياسي والفكري، والتحولات التي أصابته بعدما تغير من حزب اقلوي شبه سري عام 1985 إلى حزب مهيمن بجيشه وأجهزته الأمنية ومؤسساته وزخمه المالي على الحياة السياسية والأمنية، ويقود تحالفاً ائتلافياً من أحزاب وجماعات ويشكل رأس حربة في محور الممانعة وجبهة عسكرية مفتوحة على الحدود.
وكانت وثيقته تلك عبارة عن ترجمة للأيديولوجيا الخمينية مكتوبة بلغة يسارية ـ فانونية (نسبة لفرانز فانون) وفحواها حرب أبدية مع اميركا والغرب واسرائيل والرجعية، وتمرد مستمر على شروط الدولة، فيما الشق المحلي اللبناني، الاصلاحي لا يبتعد عن تقاليد يسار الستينات والسبعينات الذي لا يحلو له سوى تقويض الصيغة التعاقدية للجماعات اللبنانية، حيث الطموح الطائفي مموه بخطاب علماني، وحيث المساواتية تضمر رغبة الغلبة والهيمنة.
بدوره تيار المستقبل، الحزب السياسي المستجد، وفي مسعاه ليكون كما الأحزاب الأخرى له خطابه ولغتة وخطه السياسي، كان لا بد له من اصدار وثيقته الخاصة، التي لا بد وأن تتضمن ثوابت ايديولوجية ونظرة فكرية محددة. وما لا شك فيه أن جمهور هذا التيار بمعظمه هو من المواطنين المسلمين السنة، على الرغم من أن كتلته النيابية متنوعة الطوائف، وكوادره أيضاً هم من مختلف المذاهب، وفي كل الأحوال يرتبط هذا الحزب بالمشروع غير المكتوب للرئيس رفيق الحريري، مشروع يمكن ايجازه بأنه قائم على تجديد الصيغة اللبنانية وفق مبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وعلى ترميم نظام الاقتصاد الحر والرهان على تحقيق السلام في الشرق الأوسط، والربط بين عروبة لبنان والحداثة الغربية، وتمكين الدولة في أرضها وفي سلطتها على مواطنيها.
على مرجعية مشروع رفيق الحريري تقوم وثيقة تيار المستقبل، التي تبدو كلها مكتوبة لغاية واحدة: نحن والربيع العربي واحد، بمعنى أن تيار المستقبل وجد في هذا الربيع العربي ذاك الربط الذي آمن به رفيق الحريري بين لبنان والعروبة والديموقراطية، طالما ان التناقض بين هذه الأقانيم حلته الثورات الوطنية العربية ونفته. فهذه الثورات فرضت التغيير الذي (حسب الوثيقة) هز المجتمعات والدول هزاً عنيفاً، تناول المسائل العميقة في ثقافة المجتمعات ووعيها، من الهوية والانتماء، الى المفاهيم الأخلاقية، وعلاقات السلطة بالمجتمع، والدين وبالدولة، والحريات الفردية، انه نهوض في مستوى الحياة ونوعيتها والكرامة وانسانية الانسان.
لكن الوثيقة لا تتناول الخطأ السياسي (التكتيكي؟) الذي وقع فيه التيار في الشهر الأول للثورات العربية في تونس ومصر، حيث عانى من الارتباك والحيرة والتردد. فهو وان كان عاطفياً مع تلك الثورات الا انه عملياً، كان ينحاز الى دول الاعتدال العربي المتخاصمة مع سوريا وإيران. هذا الحرج ـ وإن لوقت قليل ـ كان يستدعي واجب المصارحة والمكاشفة ولو في مقدمة الوثيقة.
وعلى غرار تقاليد الوثائق الحزبية اللبنانية كان لا بد ان تنتظم وثيقة المستقبل على المحاور التالية: المسألة الوطنية، المسألة الاسلامية ـ الاسلامية (الشيعة ـ السنة)، المسألة الإسلامية ـ المسيحية، المسألة العربية، القضية الفلسطينية، الثورة السورية.
ها هو لبناني لا يكتفي بلبنانيته، بل يتنكب قضايا الإقليم والامتداد العربي والعالم الإسلامي، وصراع الحضارات كلها دفعة واحدة، ويجعلها مترابطة أو متناسلة من بعضها البعض في تكامل عضوي قد لا تسوغه ولا تيسره كثره الاختلافات والخصوصيات وشدة التباينات في تلك المسائل، واحتواء كل مسألة على تفاصيل غير قابلة للاحتواء أو التجاهل. ولذا فإن الوثيقة المستقبلية يطغى عليها الميل للإختزال. فمثلاً، ولحل معضلة ثنائية الدولة المقاومة، تقول الوثيقة بـ الوصول إلى ادراك اللبنانيين بمن فيهم أهل الاستقواء بالسلاح في الزمن الجديد للعرب ومجتمعاتهم، ومصلحتهم الوطنية والعربية والاسلامية بالتوجه بالإرادة الجامعة إلى الاصلاح والمصالحة والطائف والدستور. انه رهان على وعي فجائي، ووحي مباغت يهبط على أهل السلاح فيستفيقون على الصواب! وهذه الاستفاقة تكون عبر الدخول في غمار التغيير العربي. اما التخلص من الظواهر السلبية للنظام (اللبناني) فهو يكون عبر مشاركة كل اللبنانيين في بناء سياسات تؤدي.. وتوصل بالتدرج إلى الدولة المدنية المحقة. وهذا غير مفهوم تماماً لا في عبارة المشاركة ولا في عبارة بناء سياسات. وقد يكون السبب هو في اغفال أصحاب الوثيقة المصالح الحقيقية والدوافع الفعلية التي تجعل الجماعات الطائفية في لبنان مثابرة على إضعاف الدولة او اعادة انتاج ما تسميه الوثيقة بـالظواهر السلبية للنظام أو حتى طموحها المضمر مثلاً في اعادة النظر باتفاق الطائف.
لكن ما يحسب للوثيقة، هو انتباهها واعترافها بالأخطاء التاريخية التي قدمت لبنان (من قبل أهله) ليكون ساحة لصراعات عربية واقليمية ودولية، ما يعني وضع المسألة الوطنية والكيانية في مقدمة المصالح والأهداف. وهو تطور نوعي في الثقافة السياسية لمسلمي لبنان تبدى في مشاركتهم الأساسية في الحركة الاستقلالية عام 2005، وتكرسه أدبيات تيار المستقبل الذي يقول في وثيقته تقديم الولاء الوطني على الولاءات الوافدة والفرعية والايديولوجية التحشيدية. والعبارة الأخيرة تضم نقداًَ لتقليد مديد لدى المسلمين اللبنانيين خصوصاً الذين قدموا عقولهم وأفئدتهم تارة للناصرية وطوراً للمقاومة الفلسطينية وأحياناً للشعارات التي روّجها النفوذ السوري.. الخ، كما تضمر الانتقاد راهناً لقيادة حزب الله الطائفة الشيعية إلى محور الممانعة الإيراني السوري وما يترتب على ذلك من مخاطر فادحة وتصدعات عميقة في جسم الدولة والمجتمع.
ثمة إقرار استثنائي في هذه الوثيقة بالدور الخاص للمسيحيين العرب الذين كانوا في طليعة المسهمين في صناعة النهضة العربية وفي بلورة الهوية والانتماء العربيين. وفي المحافظة على لغة الأمة واغناء ثقافتها. وتتجاوز الوثيقة هذا المعطى إلى الاقرار ايضاَ بأن المسيحيين كانوا رواداً في قيام الدولة الوطنية في المشرق العربي. وهذا تبدل هائل في النظر إلى واقع قيام الدول الوطنية بعد انهيار السلطة العثمانية وابتعاد كبير عن نظرية المؤامرة (خطة سايكس بيكو) وقبول تام بمفهوم الكيانات الوطنية الحديثة، بعيداً عن الإنكار المزمن تحت شعارات الوحدة.
وتحاول الوثيقة، المتأتية من تجربة لبنانية، تقديم اقتراح على الثورات العربية في ما يخص مسألة الأقليات ومخاوفها. فهي تقول بأن الأنظمة الاستبدادية انما مارست العنف على الجميع، وان التحالفات والمشاريع التي تبنى على مفهوم الاقليات لا مستقبل لها وهي لا تشبه المسيحيين العرب الذين لا يعتبرهم المسلمون ولا يعتبرون انفسهم أقليات، بل شركاء في الثقافة والانتماء والمصير، بعيداً عن منطق الحماية الذي انتهجه بعض الأنظمة. أي نفي مفهوم الأقليات والأكثريات من الوعي العام ومن القاموس السياسي. وهذا النفي يمكن إدراجه في باب الطموح فحسب.
إذ مثلاً لا يكفي ان تضم مؤسسات المستقبل موظفين من جميع طوائف لبنان (وهي فريدة في ذلك) انطلاقاً من اثبات لاطائفيتها، ما ينبغي القيام به هو فتح حوار متسع ومتشعب ومستمر مع أبناء ونخب الطوائف الأخرى، والشيعة منهم على وجه الخصوص.
تنتهي الوثيقة إلى الاعتراف أيضاً بأنالنهوض في لبنان قد لجم على مدى أربعة عقود وأكثر بالقضايا المغلوطة والمستعارة. والسطو على الأمن الوطني والمال العام والمؤسسات والنظام والدولة. وهذا التصريح هو الترجمة المكثفة لـالمراجعة التاريخية التي قام بها المسلمون بلبنان، في نظرتهم إلى الكيان اللبناني كما في معتقدهم العروبي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.