من منزلي الواقع في الشطر الشرقي من بيروت الى عملي في الشطر الغربي مروراً بالضاحية الجنوبية، أجتاز هذه المسافة مرتين في اليوم، صباحاً ومساء. يحدث هذا منذ سنتين، أي تقريباً منذ استقرار الحياة السياسية اللبنانية على حربها الفاترة، حيث ثبتت الجماعات اللبنانية على اصطفافاتها الحادة والمأزومة، وأعادت رسم حدودها الأهلية وخطوط تماسها الجلية، رغم حرية التجول مبدئياً، ورغم التشابك النسبي في السكن والعمل.
في خط سيري اليومي هذا ما بين فرن الشباك، عين الرمانة، الطيونة، طريق المطار، مدخل صبرا، مسلة حافظ الأسد، الجناح.. وصولاً الى الرملة البيضاء، ترتسم علامات متفرقة ومتوزعة على الطريق، وتتبين أفعال وحركات يومية، تُظهر على نحو نمطي الفواصل أو الحدود التي تعيّن هويات الأمكنة والجماعات والأهواء السياسية، بقدر ما تعين مدى نفوذ الدولة وسلطاتها أو تهافتها وغيابها. لكن الأهم هو تظهيرها لحيوية السكان أو لطيفها الطبقي الديموغرافي.
هناك في فرن الشباك عين الرمانة، حيث الغلبة للسكن المسيحي، الفقير والمتوسط الحال، وحيث العمران الجديد في أقل مستوياته مقارنة مع مناطق أخرى من بيروت وضواحيها، ما زال الانضباط النسبي للقوانين البلدية وللأنظمة المرعية الإجراء، يرتب الأرصفة وأعمال التشييد وطرائق استخدام الفضاء العام، فتقلّ البسطات العشوائية وينخفض الصخب الشوارعي وتندر اليافطات والشعارات، فيما الاكتظاظ السكاني يبدو معتدلاً، طالما أن أحياء كاملة لا تزال عبارة عن منازل منفردة أو بنايات صغيرة قديمة تدل على تلك الفترة التي أخرجت هذه المنطقة بسلاسة من قرويتها وريفيتها لتكون ضواحي هادئة للعاصمة، ما بين الأربعينات والسبعينات من القرن المنصرم، إضافة الى أحياء أخرى لا تزال تحافظ على طابعها العمراني المرتسم في الستينات لطبقة متوسطة من الموظفين القدامى وما يوازيهم في المرتبة الاجتماعية، عدا عن أن النسيج الاجتماعي للسكان الأصليين ما زال متماسكاً وواضحاً. وكذلك تبدو الإدارة المحلية وشبكتها من أجهزة بلدية ومخاتير وجمعيات أهلية شديدة الحضور في الحياة اليومية، عدا عن الانتظام الكنسي الرعوي الذي يظهر قوياً في السلوك العام ومواقيته ومظاهره (الأعياد، مواعيد القداس، المهرجانات الدينية). والحال أن التديّن الذي يطبع أغلبية السكان، يبدو وكأنه إشهار يومي ليس للإيمان فحسب، بقدر ما هو هاجس سياسي لديهم، إذ هو أولاً يتكفل بالإعلان عن هوية المكان والجغرافيا وليس فقط هوية السكان. فالقلق الذي يميّز اليوم مسيحيي لبنان، هو قلق ملكية الأرض، التي تحدد الحضور وترسم مستقبل الوجود. ومن أجل ذلك يتعمدون تمايزاً عن الجماعات الأخرى ذلك الانضباط النسبي بكل ما يتعلق بالتنظيم المدني وقوانين البلدية وغلبة الوئام الاجتماعي.
خروجاً من هناك الى تقاطع الطيونة ترتسم في الأفق الغربي بانوراما بيروت الغربية بكتلتها المتراصة والصمّاء من المباني الكثيفة، فيما مباشرة عند هذا التقاطع يبدو ما تبقى من حرش بيروت مسيّجاً ومقفلاً كحدود فاصلة غير قابلة للاجتياز. وانعطافاً الى الاتجاه الجنوبي يبدأ طريق المطار: مدخل الضاحية، المسمى جادة الإمام الخميني، وهو الإشارة الأولى الواضحة للانتقال الى هوية جغرافية مختلفة، حيث تتبعثر على يمين الطريق (الدولي؟) البسطات المرتجلة وتبدأ جحافل الدراجات النارية الصغيرة بالظهور وترتفع اللافتات السياسية الدينية التعبوية، وتبدأ الفانات باجتياح الطريق بكثير من روحية التعارك والتنافس، وينتشر على حواف الطريق باعة المحارم الورقية وزينة السيارات والإكسسوارات المتنوعة والعطور الرخيصة، فيما يتوزع المتسوّلون على جنبات الطريق، وتتكاثر السيارات المتوقفة هنا وهناك متسببة بزحمة مرورية خانقة ومستمرة، ويتوزع الشبان المتبطلون ما بين استراحة الوعد الصادق وأسفل جسر الغبيري ليتبادلوا النظرات مع ركاب السيارات. نظرات الريبة أو الفضول.
هناك ما بين طريق المطار ومدخل صبرا يقبع ركام ما تبقى من العمران العشوائي لما كان مخيماً فلسطينياً بائساً وبات اليوم موطناً لخليط من البائسين من هوامش اجتماعية لم تسلك طريقها الى قلب الضاحية أو لم تنجح في الاندماج بمنظومتها الحزبية والأهلية، يضاف إليها العمال السوريون والمستخدمون الأجانب الأقل حظاً الذين وجدوا في هذا الهامش ملجأ رثاً، حيث الفوضى وضيق الحال يبثان في الفضاء العام إشارات العنف وعلامات ضعف القانون وغياب النظام.
في تلك المعمعة، حيث تمتلئ الجدران بشعارات من نوع بشار الأسد شرف الأمة العربية، وترتفع صور شهداء المقاومة وشهداء الغدر، يبدو الشرطي الوحيد، الذي يحاول عبثاً تنظيم المرور، كما لو أنه في يأسه ومظهره المنهك، العلامة الوحيدة والواهنة التي تصل تلك الجغرافيا بالجمهورية اللبنانية.
تنتهي الطريق، المبتدئة بصورة الخميني التي نصبتها بلدية الغبيري، عند التقاطع الذي تنتصب فيه مسلة حافظ الأسد، أو ما يعرف بتقاطع السفارة الكويتية. وتحت ظلال الإمام آية الله والرئيس الخالد الى الأبد ترتع جموع البؤس والفوضى التي تظن في نفسها البأس والقوة والمناعة، وهي هناك لا تعرف إلا اضطراب العمل والسكن واضطراب الاسترزاق والعلاقات وقلق العيش المتقلب على العنف والضعف على حد سواء.
بعد اجتياز مسلة الأسد، يبدأ مشهد مختلف، حيث ينتظم العمران الحديث، الجديد الذي انبثق منذ التسعينات بمبان متناسقة وفق تخطيط مدني، لسكن يغلب عليه توطن العائلات الشيعية التي عرفت ازدهاراً اقتصادياً متحصلاً إما من ديمومة العمل والوظيفة وثباتهما أو من تجارة مديدة أو اغتراب ناجح. ويبدو هذا العمران المستجد والحديث، مع نسيجه الأهلي الواحد تقريباً، مائلاً الى تحصيل شروط الاستقرار المديني، والعمل على تثبيت مظاهر الترقي والانسجام، والسعي الى تجميل الفضاء العام وحسن استخدامه. وهو بهذا المعنى، مع انتشار المؤسسات الأهلية (مستشفى الزهراء، الجامعة الإسلامية..) يحاول محاكاة طبيعة التوزع الديموغرافي الطائفي للمدينة، وكيفية عيش الجماعات ووسائل وسم جغرافيتها بعلاماتها وهويتها.
لكن القلق لا يغادر، على ما يبدو، سكان بئر حسن الجدد وهم ينظرون الى ناحية الشاطئ أو الى التلة القابعة خلف مساكن الضباط، حيث لا تزال خرائب المنازل العشوائية للمهجرين المستأنفين تهجرهم منذ منتصف السبعينات والمواظبين عليه، فتبدو تلك المساكن كتذكار مضنٍ لتفاوت طبقي حاد بين أهل الطائفة الواحدة. هو تفاوت أيضاً في مدى نجاح المحرومين أو إخفاقهم في مغادرة ذاكرة الهجرة والتهجير.
عند نهاية تلك الطريق، يبدأ الأوتوستراد الموصل الى ناحية بيروت الغربية. خلاء نسبي يفصل إدارياً وجغرافياً بين ضاحية والعاصمة. ومن هناك جاءت جحافل السيارات والدراجات النارية الصغيرة المدججة بالسلاح بعد ظهر 7 أيار 2008 لتدخل الى منطقة الرملة البيضاء فاتحة معركة السيطرة على بيروت الغربية. من هناك انطلقت الرصاصات الأولى باتجاه العاصمة.
من ذاك المدخل الجنوبي يبدأ التوجس اليومي للمدينة المفتوحة على تلك الحرب الفاترة بين الجماعات. فإذا كان الشطر الشرقي يعيش وفق هاجس صون النفس وحفظ الملكية والدفاع عن الوجود والتحسّر على ما خسره من انتشار وازدهار سابقين في أنحاء العاصمة، فإن الشطر الغربي تتنازعه عصبيتان، واحدة تستند الى رسوخها الاجتماعي والاقتصادي والعقاري، والثانية تستعين بشكيمة ضاحيتها الجنوبية الساخطة وحيويتها المالية المستجدة والمتنامية وطاقتها الأيديولوجية التعبوية واحتياطها المسلح.
بين تلك التخوم والجغرافيات أتجول يومياً، مفرداً وأعزل وحائراً بين حدي التشاؤم والتفاؤل، مستقراً على القلق اللبناني الذي لا يعرف خاتمة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.