8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

شباب الفيس بوك تحت بصر الأجهزة

يتناقل نشطاء الفيسبوك اللبنانيون أخبار ملاحقة الأجهزة اللبنانية لهم. فعلى خلفية تصاعد حمى التدوين والسجالات السياسية على مواقع التواصل الاجتماعي، قامت هذه الأجهزة في الايام الأخيرة باستدعاء بعض المدونين والمدونات، عبر بلاغات جلب، وللتحقيق معهم حول محتوى ما يكتبونه على صفحات الانترنت.
وتستهدف الأجهزة اللبنانية خصوصاً، أولئك الذين يعبرون عن دعمهم للثورة السورية ويناصرون المحتجين والمعارضين من الشعب السوري، عدا الذين يعبرون عن معارضتهم لحزب الله ومقاومته.
هذا وقد تم إجبار الناشطين الذين تعرضوا للتحقيق على الكشف عن كلمة السر لحسابهم الالكتروني في هذه المواقع، وتزويد الأجهزة الأمنية بها، كي تستطيع الولوج إليها والاطلاع على محتواها بالكامل، كشرط للافراج عنهم. وبما ان هذا العمل الأمني غير قانوني فإن هذه الأجهزة تستخدم خليطاً من أساليب الترهيب والترغيب أولاً في الاستدعاء والتحقيق، وثانياً في الحرص على تخويف الناشطين الفيسبوكيين من إفشاء وفضح ما يحدث معهم من ممارسة بوليسية قمعية.
وتعرض بعض المدونين والناشطين لنوع آخر من التضييق والتخويف كأن يتلقوا رسائل ونصائح فحواها ضرورة أن يوقفوا كتاباتهم السياسية على صفحاتهم الانترنتية. وتعمد الأجهزة الأمنية في ممارستها التي تنتهك الحقوق الفردية الأساسية إلى انتقاء ضحاياها من الشبان والشابات، وتتحاشى المخضرمين أو الذين لديهم حصانة معنوية مثل الصحافيين والكتاب والحزبيين والمثقفين المعروفين، خوفاً من نشوب معركة حريات علنية لا قبل لهذه الأجهزة على التورط فيها.
ولأن المعصية تتطلب الستر، فان الأجهزة الأمنية اللبنانية حريصة كل الحرص على السرية، وعلى انتقاء عدد محدود من اليافعين، الذين تهددهم أو توبخهم أو تنصحهم بالتوقف عما يكتبونه ويعبرون عنه. وعندما حاولنا معرفة تفاصيل ما جرى مع إحدى المدونات التي خضعت للاستدعاء والتحقيق كان الجواب حرفياً صاحبة العلاقة خائفة ولا تريد أن يذكر اسمها أو أن يعرف ضباط الأمن انها سربت ما حدث لها لأنهم هددوها بسجنها وسجن افراد عائلتها.
وأجهزة الأمن هذه، في لبنان الديموقراطي، تتميز عن مثيلاتها العربية بفضيلة أنها لا تلاحق معارضين للنظام اللبناني، إن وجدوا، ولا تقمع نقد السلطة أو معارضة الحكومة. فهذا مباح وممكن. لكنها تمنع مثلاً موسيقى الـهارد روك والـهافي ميتال، وبوسعها ايضاً منع المخرج الايراني نادر داوودي من الحضور إلى لبنان والمشاركة في مهرجان بيروت بفيلمه أحمر، ابيض وأخضر، أو تستطيع ملاحقة المعارضين السوريين الهاربين من آلة القتل في شوارع سوريا إلى بيروت وطرابلس وقرى عكار، من أجل القبض عليهم وتسليمهم إلى جلاديهم في بلدهم.
بهذا المعنى، الأجهزة الأمنية اللبنانية التي يقلقها الفيسبوك ونشطاؤه، تعمل قمعاً وترهيباً لصالح سياسات دول أخرى مثل إيران (وحزب الله) وسوريا. كأنها ـ والحال هذه ـ إمتداد لأجهزة أمنية غير لبنانية وغير خاضعة للحدود التي تضعها القوانين اللبنانية التي تحمي حقوق حرية الرأي والتعبير.
ويبدو من ممارسات الأجهزة الأمنية التي تستهدف خصوصاً قمع كل اشكال التعبير عن التضامن مع الثورة السورية والشعب السوري، ان لبنان الذي نأى بنفسه عن اي موقف أخلاقي أو سياسي تجاه ما يحدث في الداخل السوري، يترجم هذا النأي انحيازاً استرضائياً لوصاية ثقيلة ما زالت فاعلة في جسم الحكم اللبناني واذرعه رغم كل ما حدث منذ العام 2005. كذلك يترجم هذا النأي رضوخاً واضحاً لارادة حزب الله الذي أعلن دعمه للنظام السوري وجدد تحالفه معه مهما تقلبت الأحوال. فالحزب، الشريك الأساسي في الائتلاف الحكومي، والمتغلغل في إدارات الدولة وأجهزتها، يفرض سطوته وسياساته على الأداء الحكومي وعلى أعمال الأجهزة الأمنية وأجندتها الرقابية والاستقصائية.
ويترتب على ذلك، السكوت عن خطف معارضين سوريين من داخل لبنان وتهريبهم إلى قبضة الأجهزة الأمنية السورية، والسكوت ايضاً على انفلات شبيحة أحزاب لبنانية موالية للنظام البعثي في شوارع الحمرا ورأس بيروت، يتعرضون بالضرب والاعتداء على من يريد ان يعتصم أو يتظاهر تأييداً وتضامناً مع الشعب السوري. وهو سكوت ثمنه الامتناع عن وظيفة هذه الأجهزة: توفير الأمن وحفظه.
في المقابل، يتساوق هذا السكوت مع إصرار وحرص على مراقبة وملاحقة كل ما من شأنه تأليف رأي عام معارض للسياسة السورية ـ الإيرانية المهيمنة على لبنان واللبنانيين، فتسكت الدولة اللبنانية عن تكرار الخروقات العسكرية السورية للحدود، فيما تكون أجهزتها البوليسية تلاحق الفيسبوك ونشطاءه، وتمنع فيلماً إيرانياً لا يروق للحرس الثوري وولاية الفقيه.
وإذا كان من واجب تلك الأجهزة منع تهريب الأسلحة عبر الحدود وإلقاء القبض على المهربين، فإنها على الأغلب تمنعها من إتجاه واحد لا من الاتجاهين. فتكون الأسلحة الداخلة إلى لبنان مباركة ومرغوبة ومباحة، فيما بندقية الصيد الخارجة من لبنان إلى سوريا هي ارهابية وتخريبية، وإن صحت تلك المقولة، جاز القول إن أجهزتنا الأمنية عاملة على أمن الآخرين أكثر مما هي حريصة على أمننا الداخلي.
الأجهزة الأمنية اللبنانية لا تنأى بنفسها عن الحدث السوري، كما أعلنت الحكومة ولسانها الديبلوماسي، فحوادث استدعاء نشطاء الفيسبوك ومضايقتهم وتخويفهم تسري فقط على من يؤيد الثورة السورية، فيما من هم على شاكلة الشبيحة الأنترنتيين، الذين يتوعدون خصومهم بالقتل أو الأذى ويستخدمون لغة السباب والشتائم والتهديد (وغالباً ما ينفذون تلك التهديدات)، فهؤلاء محصنون منيعون، لا يتلقون نصائح ولا بلاغات جلب ولا تحقيقات.
في المحصلة، يبدو ان بعض الأجهزة الأمنية اللبنانية ما زالت تمتلك ذاكرة الأجهزة الأمنية المشتركة، ذاكرة حقبة الوصاية، ولم تتحرر من تبعات تلك الوصاية، ويحركها على الأرجح ولاء سياسي، حزبي وأيديولوجي، يفاقم من مظاهر ضعف الدولة اللبنانية إزاء هيمنة إقليمية وأهلية على سياستها وعلى رأيها. وهو الضعف الذي يشعره الشبان والأفراد إذ يحاولون صنع رأي عام يليق بما يظنونه أخلاقاً وقيماً لبنانية وثقافة ديموقراطية، فيصطدمون قسراً ببوليس سياسي يتشبه، تماهياً وتآخياً، بـباسيج هناك ومخابرات هنا.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00