8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

أشكال ألوان تذهب بالفن إلى خارج نطاقاته

على ضفة نهر بيروت، ناحية سن الفيل، في المنطقة الصناعية، تم منذ سنوات افتتاح مركز بيروت للفن وهو مركز منحاز إلى تقديم الفنون الجديدة والمعاصرة. كان اختيار مكان المركز في ناحية غير سكنية، وبعيدة نسبياً عن جغرافيا التجول وأمكنة الترفيه، إشارة محيّرة عن تغير ما طرأ على علاقة الفن وأمكنة عرضه مع المدينة. فالغاليري والصالة وقاعة العروض غالباً ما تكون في قلب المدينة، في أحيائها السياحية وفي شوارعها الرئيسية، بل وفي النواة منها. والخروج بالفن وأماكنه إلى الضواحي الصناعية والتموضع هناك بدا وكأنه خروج على شروط العلاقة بين منتج الفن ومتلقيه، وانحراف عن ماهية وظيفة الفن في المدينة، وربما أيضاً تبدل في نظرة الفن إلى نفسه، هو المتبدل الأدوات والطرائق والتقنيات... والمحتوى.
قبل افتتاح مركز بيروت للفن كان مهرجان أشغال داخلية، الذي تقيمه جمعية أشكال ألوان للفنون التشكيلية، قد اختار ان يقدم أحد معارضه في غاليري صفير زملر التي تم تأسيسها في الطابق الخامس داخل مبنى صناعي يحوي مطابع ومخازن صناعية بالإضافة إلى انه يحوي مكتب المعماري برنار خوري حيث اختار المسرحي ربيع مروة أن يقدم داخل المكتب أحد عروضه. وبرنار خوري نفسه كان قد انجز مطلع التسعينات واحدة من تحفه الهندسية، الملهى الليلي B O 18 المشيد تحت الأرض في بقعة خلاء في قلب الكرنتينا الصناعية. والملهى هذا كما غاليري صفير زملر يقعان بالقرب من أسوأ تصنيف عقاري للسكن أو العيش. إذ هناك عدا عن كون منطقته صناعية ملوثة، يقع أيضاً المسلخ، وكذلك مكب النفايات الضخم، وبالقرب المحاذي لمصب نهر بيروت ولمجارير العاصمة، وملاصق لمرفأ بيروت وأحواضه. مع ذلك بدا انتقاء ذاك المكان لإقامة غاليري شديدة الحداثة يصعد زائرها إليها عبر مصعد مخصص للبضائع، كما اختياره لملهى ليلي باذخ في ذاك الخلاء الموصوم بأنه أرض المقابر الجماعية أثناء الحرب... وكأنه بيان هندسي ثقافي لتصور مختلف لخريطة المدينة وعلائقها المستجدة وأدوارها المبتكرة، في الممارسة الفنية وأثرها في معايشة المدينة وأمكنتها.
اليوم اختارت كريستين طعمة مؤسِسة أشكال ألوان أحد المصانع المهجورة في منطقة سن الفيل الصناعية. ليكون مقراً لمدرستها أو اكاديميتها برنامج أشغال داخلية للدراسات المستقلة أو فضاء أشكال ألوان.
تضع كريستين طعمة تجربة أشكال ألوان في سياق ذاكرة ثقافية ممتدة طوال 17 عاماً شهدت فيها بيروت بعد الحرب فيضاً من التجارب والأعمال والتفكير والمبادرات المتعددة في حقول متصلة ومتباعدة من فن التصميم إلى ثقافة الطعام إلى الهندسة والمعمار والأزياء والمسرح والموسيقى البديلة والعروض التعبيرية والسينما والفوتوغرافيا والفيديو... وبهذا ترى طعمة أنه باتت هناك نواة واسعة لمجتمع محلي متورط بنمط حياة فنية وثقافية، استشف على ما يبدو أهمية أن يحوز على فضاءاته الخاصة والمتصفة بالديمومة. ويمكن أن يضاف إلى هذه النواة المدينية الصناعيون والحقوقيون والناشطون الاجتماعيون (الشبان منهم خصوصاً) والصحافيون والبيئيون.
ارتكازاً على هذه الرؤية. وبما أن أشغال داخلية منذ العام 1994، حين انطلقت من مشروع الأعمال التشكيلية في حديقة الصنائع، كان عملها باستمرار على الحيز العام وفيه، قررت كريستين طعمة تنفيذ مشروع فضاء أشكال ألوان بوصفه مساحة للعمل ومكاناً للإنتاج والدرس، لكن الأهم بوصفه مكاناً مفتوحاً ومختبراً مستمراً على مدار العام. وتقول كريستين طعمة ان الهدف الأساسي من المشروع هو تغيير العلاقة مع شروط الإنتاج الفني والعلاقة مع المجتمع... إذ ان المدينة بحاجة إلى دعم شروط التراكم والسجال والتلاقي، كما انها بحاجة إلى تغيير في نسق الإنتاج الثقافي. إذ ان هناك الكثير من أماكن العرض لكن ما من أماكن حقيقية للإنتاج.
انتقال أشغال داخلية من طور مهرجان ثقافي لمدة عشرة أيام كل عامين، إلى طور فضاء دائم للانتاج والعمل والتدريس والعرض في آن معاً، واتخاذه مصنعاً قديماً مكاناً له، وتجهيزه تقنياً وهندسياً لمتطلبات الانتاج الفني وعرضه، تطلب العمل عليه نحو أربع سنوات.
يحتل أشغال داخلية الطابق الأول من المصنع القديم على مساحة 2200 متر مقسمة إلى قاعة رئيسية وقاعة متعددة الوسائط وقاعتين للعرض والتدريس بالإضافة إلى أربعة مكاتب وغرفة توليف ومونتاج ومكتبة وغرفة رسم ونحت وكافيتيريا. والفضاء المزوّد بتقسيم هندسي أتاح بناء غرف علوية (ميزانين) تحوي معدات وإدارة عروض وكواليس مسارح وغرف المساعدة التقنية والتجهيزات الكهربائية... الخ. ليضم الفضاء المحترفات وأماكن للمؤتمرات وقاعات لتمارين الموسيقى والمسرح وغرف انتاج البصريات والسمعيات. عدا أن تصميمه الهندسي المفتوح والقابل للتحول والتبدل وإعادة تقسيم المساحات، يجعل فضاء أشكال ألوان متعدد الوظائف وقابلاً لتلاقي وتجميع وتواصل الممارسات الفنية المتنوعة.
ان سيولة المكان وقابليته للتحول وفق تبدل الاستخدام والتوظيف، يخلق فضاء يتيح تشبيك العلائق بين أنماط فنية مختلفة، واستنباط أشكال جديدة من هذه العلائق. وهذا قد يكون أول مركز ثقافي من نوعه في لبنان والعالم العربي، طالما أن الأهداف والأدوار التي يطمح إليها هي المساهمة لا بتوفير مكان للعرض فقط، بل بتأمين شروط ديمومة الإنتاج وتطوير المهارات وخلق مساحة جمع بين مختلف الممارسات.
فضاء أشكال ألوان (أو برنامج أشغال داخلية للدراسات المستقلة) يتضمن أربعة برامج: الأول، تعليم طلاب الفنون بعد التخرج لمدة 11 شهراً يتولى استاذ مشرف إدارة التعليم وتقرير المنهج وهو الذي ينتقي ويستضيف مجموعة من الأساتذة في مجالات الفنون كافة. وهو برنامج تدريس مستقل غير أكاديمي وحر. الثاني، هو البرنامج المفتوح الليلي، والمخصص لإعطاء حصص دراسية مفتوحة للعاملين والموظفين، ويتضمن دروساً في كتابة السيناريو، تنظيم المعارض، تاريخ الفن المعاصر، الإدارة الثقافية، التصوير، الدعم التقني (إضاءة، صوت، سينوغرافيا..). الثالث، هو برنامج المكتبة، المختصة بالفنون المعاصرة، وهي مجانية للمجتمع المحلي، ويحتوي على فكرة مختارات مكتبية حيث يتم اختيار كاتب أو باحث أو ناشط أو مهندس... الخ. يقوم هو باقتراح مجموعة من عناوين الكتب التي تتناول ثيمة محددة ، تعمد المكتبة إلى اقتنائها إما بنسخة ورقية أو الكترونية، على أن يقدم صاحب الاقتراح قراءة لها (مثلاً يتم العمل الآن على ثيمة الكتب التي تناولت ظاهرة وسائط التواصل الإجتماعي). هذا البرنامج يحول المكتبة من مخزن كتب إلى مكتبة تفاعلية ومنتجة وشخصية. مكتبة انتاج قراءة. البرنامج الرابع يتضمن استضافة جمعية غير حكومية لمدة عام داخل المدرسة لتتخذ منها مقراً مؤقتاً، شرط أن تكون الجمعية جديدة أو في طور النشوء وبحاجة إلى دعم اقتصادي، وعلى أن لا تكون فنية في اهتماماتها، أي جمعية تعنى بحرية التعبير أو البيئة أو حقوق الإنسان... الخ. وهذا البرنامج يهدف على ما يبدو إلى تمتين الصلة بين الممارسة الثقافية والمجتمع المحلي وفتح فضاء لتبادل الوعي والشراكة المدنية.
منذ 14 أيلول الفائت بدأ فضاء أشكال ألوان بالعمل مستضيفاً 14 تلميذاً (3 فلسطينيين، 3 مصريين، 4 لبنانيين، أردنية، فرنسي، إيطالية، كويتية) تم قبولهم من أصل 210 طلاب قدموا طلبات الالتحاق لهذا العام. ومقابل 14 تلميذاً هناك 15 أستاذاً. والتعليم مجاني مع برنامج منح كامل، فثمانية طلاب يحظون بمنحة تعليمية مع تغطية كلفة الاقامة والمعيشة وستة طلبة لا يحتاجون إلى نفقات الاقامة التي إما حظوا بها من حكوماتهم أو من مؤسسات ثقافية في بلادهم.
المشروع من الفكرة إلى التأسيس إلى شروط ديمومته تبلغ كلفته ملايين عدة من الدولارات، وكان المساهم الأول في دعمه مؤسسة فورد فاونديشن. لكن الأهم هو مساهمة نحو 25 لبنانياً بنحو خمسين في المئة من الكلفة الإجمالية وهؤلاء مهندسون وصناعيون ومستثمرون ورجال أعمال وحقوقيون.
تقول كريستين طعمة أن لبنان في الثقافة وفي الحقول الأخرى يعتمد على المبادرات الفردية. وتعتقد أن تجربة العقدين الأخيرين في الاقتصاد والثقافة وفي تحولات العمران والسياسة والحراك الاجتماعي، اتاحت جميعها بروز وعي مدني ومجتمع مدني على صلة فعلية بالممارسات الفنية والثقافية. وهؤلاء يكوّنون نسيجاً اجتماعياً عمل على أخذ بيروت إلى الخارطة المعاصرة وانتج صوره وخطابه ونمط عيشه وذائقته وفكره.. وما فضاء أشغال داخلية الا مساهمة في تثبيت هذا المنحى والتعبير عنه وممارسته. ولهذا السبب ترى طعمة انه بات في بيروت طبقة اجتماعية حريصة وساعية إلى دعم الفن والفنانين. ولهذا السبب أيضاً استطاعت جمعية أشكال ألوان ان تجد مؤسسة فيليب جبر التي عادة ما تهب منحاً دراسية للطلاب الجامعيين، وهي المؤسسة التي وهبت أشغال داخلية المصنع القديم مكاناً للمشروع لمدة خمس سنوات مجانية، وكذلك تطوع المعماري يوسف طعمة لتنفيذ هندسة المكان وتصميمه وتطويره.
تعتقد كريستين طعمة ان هذه النخبة المدنية تشعر اليوم بالهزيمة على المستوى السياسي وهي تبحث عن بديل في الهوية والسياسة والثقافة ولهذا، فهي مندفعة الآن نحو مبادرات شبيهة بمشروع فضاء أشغال داخلية.
هناك من شرفة المصنع القديم كان يمكن رؤية، على بعد أمتار، المشروع المعماري الجديد لبرنار خوري أرتيست لوفت، مبنى شقق سكنية بالغة الترف في تصميم هندسي يحاول أن يكون عملاً فنياً ومكاناً لفنانين، هناك في قلب المنطقة الصناعية، في إشارة غير ملتبسة إلى وجهة جديدة لتوسع العاصمة وتبدل صورتها... بمبادرة فردية بالتأكيد.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00