8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

نصف ساعة مع شاب قادم من حمص

المهندس السوري المغترب، عاد إلى بلاده منذ فترة ليستقر فيها ويعمل. بدأت الثورة، فاضطر للخروج إلى بيروت بحثاً عن الأمان وانتظاراً لانتهاء المحنة. يقول إنه لم يتعاط الشأن السياسي في حياته كلها. وهو ما زال مصراً على ذلك. لكنه يعلن أن ما جعله ينحاز للثورة هو فكرة بسيطة: عندما عدت إلى بلدي كنت دائماً أسمع هذا الشعار المكتوب في كل مكان الله، سوريا، بشار وبس، وكنت في سري أقول دوماً إنه الرئيس، لا مشكلة، لكن الشعار الصحيح يجب أن يكون الله، سوريا، حرية وبس . كان هذا رد فعلي الغريزي ولا أبوح به مطلقاً. مع بدء الثورة أخذت التظاهرات ترفع الشعار الصحيح الذي كنت أظن اني وحدي أردّده في قلبي. وهذا ما دفعني تلقائياً لتأييدها.
كنا نتحدث، دردشة، بانتظار وصول أحد ناشطي الثورة الآتين من حمص إلى بيروت، في مهمة انسانية طارئة. أسأل المهندس عن صحة انتشار الأصولية في المجتمع السوري ومدى قوة السلفيين، فيجيب: لا أخفيك ان الشعب السوري هو الآن أكثر تديناً مما كان عليه قبل عشرين عاماً مثلاً، وهو في الأغلب الأعم تديّن غير سياسي، وطابعه اجتماعي طقوسي. ويتميز التدين في بعض البيئات التقليدية بأنه خليط صوفي سلفي، وهو أيضاً غير سياسي. أما السلفية التي يقصدون بها تلك التي تشبه تنظيم القاعدة، فهي أقلية الأقليات ومعزولة ولا يميل إليها السوريون. حتى الأخوان المسلمون لا يلقون تأييداً سياسياً بقدر ما يلقون عطفاً عليهم بسبب ما تعرّضوا له من ظلم وقتل وتشرد. يستدرك المهندس بالقول ان المستقبل قد يحمل إمكانية انتشار الأصولية التي تريد فرض معتقداتها على المجتمع. ويعزو ذلك إلى ان القوة المالية والاقتصادية في العالم العربي متمركزة في دول الخليج. وهي التي سيكون لها تأثير كبير على المجتمعات العربية كما حدث في مصر. حيث الاسلام هو الهوية الأبرز.
لكن ماذاعن المسيحيين مثلاً؟ يجيب المهندس هم أيضاً ازداد تدينهم. أقول لا، أقصد علاقتهم مع المسلمين ومع الثورة ومع النظام.. الخ؟. فيرد: انهم منقسمون مناصفة تقريباً بين الثورة والنظام. لكن في كل الأحوال ليس الصدام في سوريا اسلامي مسيحي، انه صدام غير طائفي بالمرة. انه معارضة من كل الطوائف لنظام له مؤيدون من كل الطوائف.
يصل الشاب (في منتصف العشرينات من عمره) يصافحنا ويجلس، ويبدو أنه على عجلة من أمره، يرن هاتفه الخلوي (يحمل ثلاثة هواتف خلوية متنوعة الاستخدامات) يرد بلهجة هادئة وحازمة في آن معاً. يقفل الخط وينظر صوب المهندس، فيشير الأخير إلى كيسين ضخمين ليقول للشاب: لقد أحضرتها. أسألهما ماذا في الكيسين فيقولان مواد طبية، 300 إبرة كزاز تكفي لثلاثمائة مصاب. لقد اضطروا في الأيام الأخيرة إلى استخدام الكزاز المخصص للاستعمال الحيواني في كل من حمص وحماه. ينظر إلي الشاب: 25 شهيداً في حمص ونحوا 320 جريحاً أمس الاربعاء (اللقاء حدث يوم الخميس 11 آب 2011).
في الكيسين أدوية ومعدات طبية، ويعتذر المهندس من الشاب لأن لا أكياس دم متوفرة، سأحاول تدبيرها في 48 ساعة ثم يعطي الشاب بضعة مئات من الدولارات هذا ما استطعت توفيره، لتوزعها حسب معرفتك. أسأل المهندس عن المال فيبتسم قائلاً نحن بضعة شبان نتبرع فيما بيننا ونرسلها، أغلبنا مغتربون أو تجار توقفت أعمالهم وأتوا إلى هنا.. هذا ما في الأمر.
الشاب الحمصي، المستعجل إلى الانطلاق من بيروت، هو ابن عم شهيد سقط في واحدة من مجازر التشييع. حيث يكمن عادة الشبيحة ورجال الأمن صباح كل سبت للجنازات التي تحمل قتلى يوم الجمعة، إنه تأديب. لا يريدون للقتيل أن يصير شهيداً، تشهد عليه المدينة ويسير خلفه المشيعون.
إبن حمص، الذي يعرف أني أكتب ما يقوله، في هذا اللقاء السريع، يقول: لا ميول سياسية لدي، ولا انتماء حزبياً، بل لا أعرف عنها شيئاًَ ولا أي فكرة واضحة.. حتى أني كتاجر ما كان لدي مشكلة مع الحكومة، بل كنت نوعاً ما مستفيداً من النظام. كان عملي سهلاً ومربحاً مع انتشار الرشاوى والفساد. انا اليوم مع الثورة بشعور عاطفي أكثر من كونه وعياًً سياسياً. أول عشر تظاهرات لم أخرج أو انضم اليها. ومرة في يوم جمعة كنت أصلّي مع المصلين في المسجد (وانا لا أواظب على الصلاة وأصوم بتقطع) فاتجهت بعد خروج المصلين معهم إلى حيّ بابا عمرو، من دون مشاركة في التظاهرة، كنت بجانبها للمشاهدة، وبداعي الفضول.. ورأيت ما حدث، تجمّع من الناس وهتافات، وفجأة بدأ اطلاق النار الكثيف من قوى الأمن، ورأيتهم بأم عيني، هم، أي رجال الأمن، كانوا على الجسر المشرف على حي بابا عمرو. مسلحون (بثياب مدنية وثياب شرطة وثياب عسكرية) ومن دون أي انذار او تحذير مسبق أو أمر بالتفرق، بدأوا بإطلاق النار على الناس. بقيت بعيداً أشاهد سقوط رفاقي وأصدقائي وجيراني ومعارفي قتلى وجرحى. ذهبت إلى المنزل وبقيت مصدوماً. لكن من دون أي قرار، إلى أن أتى يوم 18 نيسان الماضي، وهو اليوم الذي تمّ فيه الاعتصام في ساحة الساعة الجديدة التي صار اسمها الآن ساحة الحرية لقد اتخذت يومها القرار بالمشاركة في الاعتصام لأنه قبل يوم من ذلك دخلت سيارة مدنية على حي باب السباع وفتح المسلحون فيها النار بطريقة عشوائية على المارة والمحلات. وعرفنا انهم من الشبيحة وسقط خمسة شهداء، وحدث التشييع في المسجد الكبير في وسط البلد، وبعده بدأ الاعتصام.
منذ ذلك اليوم وحتى الآن أنا في الثورة لأسباب عاطفية، لا أعرف كثيراً بالتفاصيل السياسية، لكني أعرف ما هو الظلم. على كل حال، ولكي أكمل ما بدأت بروايته عما حدث معي: الاعتصام الذي بدأناه في 18 نيسان كانت فكرته أن يستمر حتى سقوط النظام، ونصبنا الخيم، وجهزنا أنفسنا لنبقى يومياً في الساحة. لكن في ذاك اليوم، وعند الساعة الثانية فجراً، وبعد ان وصلتنا تهديدات كثيرة، بدأ اطلاق النار على الساحة، ثم امتد إلى كل ارجاء حمص. منذ تلك الساعة قررت الالتزام بالثورة والعمل لها.
سأقول لك ما هو عملي في الثورة: لقد سقط الكثير من أصدقائي وأقاربي شهداء وجرحى، واختفى الكثير منهم أيضاً، ولا نعرف مصيرهم، وآخرون معتقلون لا نعرف ما الذي يحدث لهم. لذلك فطبيعة عملي هي مكرسة لهؤلاء. اتواصل مع منظمات انسانية مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، امدّهم بالصور والوثائق والمقابلات مع أهالي الشهداء والجرحى والمعتقلين المفرج عنهم مع جمع شهادات وشهود عيان. كما أجمع تبرعات من مثل ما رأيت لنشتري بها مواد طبية يتم تهريبها من تركيا إلى سوريا مثلاً. او ننفق بعضاً منها في الداخل على شراء مواد تموينية وغذائية. ليس لي علاقات سياسية. علاقتي هي مع المستشفيات والمستوصفات، وأعمل مع احدى تنسيقيات الثورة المحلية... واعدك انه عند سقوط النظام سوف أعود إلى بيتي وعملي ولا أريد أي عمل أو صلة بالسياسة.
أسأله ما الفارق بين سورية قبل الثورة وبعدها؟ فيرد تلقائياً: قبل الثورة هناك ظلم وفقر. بعدها هناك احساس بالحرية، رغم كل المصائب شعر بالراحة وبالثقة، شيء من الغبطة... راح الخوف. لم أكن أفكر طوال حياتي بأمور تتصل بـنوع النظام والدستور فقط عمل وعيش. لم أكن اتخيل ان يفعل النظام ما فعله. كنت أسمع فقط ما حصل في الماضي في مدينة حماه عام 1982. كنت أظن ذلك عبارة عن تاريخ. يقولون إن الثورة احزاب ومجموعات مسلحة وأخوان مسلمون ويسار ويمين وعملاء ولا اعرف ماذا أيضاً، وأقول لك: يا أخي، الذين في التظاهرات هم شباب ورجال بين عمر 15 و40 عاماً، والذين في هذه السن في سوريا ليس لديهم أي تجربة سياسية أو حزبية. ثم النساء، هل يمكن أن يكونوا حزبيين وجماعات سلفية؟ طبعاً أنا اتخوف من ان يطمع الأخوان المسلمون بالسلطة وحدهم، والسبب هو الذي يحاولونه في مصر. لكن الرأي العام في حمص ليس متحزباً لا للأخوان ولا لغيرهم.
كيف ترى مسار الثورة؟ فيجيب: أظن اننا مرغمون على الذهاب إلى منازلة ومعركة. الثورة لن تحسم إلا على الأرض وبالقوة.
كيف الوضع في حمص وعلاقتها مع القرى المجاورة التي يقطنها علويون؟ يقول: هناك توتر، لا شك. المواطن العلوي مزروعة في رأسه فكرة ارتباط مصيره بمصير النظام. نعمل جهدنا لنثبت العكس. وقعت حادثة لها طابع طائفي استمرت ليومين وبعدها هدأت الأمور.
كيف تقضي يومك الثوري ، إذا صح التعبير؟ فيرد كل يوم نلتقي في مكان سري جديد. نتواصل عبر السكايب مع الآخرين مثل منظمة هيومن رايتس ووتش. معي ثلاثة شبان، أنا مسؤول عنهم. وكل شاب منهم على صلة مع شابين لا يعرفانني ولا صلة لي بهما، يعني مثل الخلايا العنقودية. نتوزع مهام توثيق كل الحالات من ضحايا قتل إلى ضحايا تعذيب وخطف. نجمع المواد المصورة وشرائط الفيديو وكليبات اليوتيوب... بالاضافة إلى العمل بعد الظهر وليلاً على تأمين الأدوية والمساعدات وتوزيعها.
يوم الاثنين 8 آب، أخذت مواد طبية وأكياس دم إلى حماه، وضعتها في مخبأ سري بالسيارة: لقد حوّلونا إلى مهربين، وفي صندوق السيارة وضعت على نحو مكشوف مواد غذائية. عبرنا ستة حواجز قبل الوصول إلى مدخل حماه، اوقفني عند الحاجز الأخير ضابط في الجيش وبدأ تفتيش السيارة ورأى المواد الغذائية: لمن هذه الأغراض؟ فأجبته لخالتي. أخذ من كل شيء نصف الكمية. أمسك قنينة زيت زيتون وأشار بإصبعه إلى حماه هؤلاء لا يستأهلون أن يأكلوا زيت زيتون هذا ممنوع وتابع : ربما في الزيت شيء مهيج أو مادة تحفز على الحماسة والقتال فأخذها. رأى خمس ربطات خبز. أخذ منها ثلاث ربطات وبدأ بتمزيق الأرغفة ورميها بالأرض. ثم سمح لي باكمال طريقي.
طوال اللقاء مع الشاب الآتي من حمص لم تتوقف هواتفه الخلوية عن الرنين ومكالمات ملحة: منها طلب ارشادات للعمل على أمر ما في الكومبيوتر وكيفية معالجته، ومنها سؤال عن أكياس الدم، ومنها للطمأنة عن موعد وصوله.. شعرت انني يجب أن أنهي اللقاء قبل استكماله. أريده أن يذهب. أن يوقف الكلام ويتابع مهمته.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00