8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

البوسطة التي نتوقع مرورها كل يوم

لو لم تمرّ البوسطة في عين الرمانة في يوم الأحد ذاك، كنا سنقول إن صداماً مسلحاً ما كان ليقع، وما كانت الشرارة انقدحت لبداية الحروب الملبننة. مع ذلك، لدينا حدس قوي بأن بوسطة أخرى كانت ستمر في يوم آخر وفي مكان آخر، وستقع الحادثة. ربما كنا سنكسب أسبوعاً إضافياً من السلم أو حتى سنة كاملة، من يدري. كان الأمر متروكاً للصدفة وللكثير من الحظ، أو بالأحرى لانعدام الحظ.
بهذا المعنى، كان التاريخ أمراً واقعاً لا يمكن تجنبه. وربما علينا الذهاب أبعد من لحظة البوسطة لتجنب المأساة، كأن نقول لو لم يكن هناك مسلحون وسلاح أصلاً لما حصل إطلاق نار وما وقع قتلى ولا انفتح الجحيم اليومي الذي ما زلنا نعيش كوابيسه حتى اليوم. مع ذلك، فإن حدسنا القوي، بخبراته طوال 36 عاماً، ينبئنا بأن الصدام كان سيحدث، وأن السلاح كان سيأتي عاجلاً أم آجلاً... جالباً المنازعات الدموية والحروب المتناسلة.
إذاً، علينا التوغل أكثر، فنقول لو لم يأتِ الفدائيون الفلسطينيون، بمعسكراتهم وعتادهم وذخيرتهم وأيديولوجيتهم : حرب التحرير الشعبية طويلة الأمد، ولو لم يُجبر لبنان على توقيع إتفاق القاهرة عام 1969، الذي أتاح لمنظمة التحرير الفلسطينية حرية العمل والحركة بلا أي اعتبار لسيادة الدولة وأمنها، كما أباح لها الحدود الجنوبية من غير كابح أو ضابط، مفتتحة حرب استنزاف يومية مع إسرائيل، أوقعت الجنوب اللبناني شعباً وأرضاً وعمراناً تحت وطأة الموت والدمار والتهجير...ولو لم يكن هناك فدائيون ولا اتفاق قاهرة، ربما ما كانت لتحدث صدامات 1969 و1973 بين المسلحين الفلسطينيين والجيش اللبناني، والتي قوضت هيبة الجيش وسيادة الدولة، ومهدت للأحزاب اليسارية والإسلامية الخروج من إطار الصراع السياسي الديموقراطي السلمي إلى ميدان الإستقواء بـالفدائيين وسلاحهم على الدولة وعلى قسم كبير من اللبنانيين، كما بررت للأحزاب المسيحية سياسة الأمن الذاتي واللجوء إلى شراء السلاح يأساً من ضعف الدولة وقواها الأمنية.
لو لم تمرّ البوسطة في ذاك اليوم، كان ثمة بوسطة أخرى ستمر في يوم آخر، بمنطقة أخرى، وكانت الحرب لتبدأ منها. ذاك أن الجميع حينها كانوا ذاهبين إلى الحرب، بأي وسيلة، بخطى متسارعة وحماسة ظاهرة. كان الجميع مقتنعاً بأن استخدام القوة بات حتمياً، بل ضرورياً وواجباً. هذا ما تخبرنا به أدبيات تلك المرحلة ودعاياتها وبياناتها الأيديولوجية المفعمة بروح التعبئة ومديح السلاح. هذا ما تخبرنا به القصائد التي كانت تُنشر والأغنيات التي كانت تُذاع والهتافات اليومية في شوارع التظاهرات والمسيرات بيافطاتها التي تمجّد العنف الثوري. هذا ما تخبرنا به أيضاً المقالات الصحافية والتصريحات السياسية المنتشية بتهويمات القوة.
كان اللبنانيون حينها يقرعون طبول الحرب يإيقاع إحتفالي وابتهاجي. ليس صحيحاً أن الحرب باغتتهم. ليس صحيحاً البتة أن القدر غدرهم، أو أنهم فوجئوا ببدء المعارك وإطلاق الرصاص وانهمار القذائف عليهم. كانوا مستعدين ومستنفرين وجاهزين لساعة الصفر غير المعلومة. وربما كانت بوسطة عين الرمانة هي الأمر الوحيد المفاجئ. كانت حادثة بالصدفة. لكن بالتأكيد كانت الصدفة المنتظرة، والذريعة التي استمات الجميع من أجل الأخذ بها، من أجل أن تكون هي ساعة الصفر. وبهذا المعنى ليس المغزى في السؤال عن الشرارة بل عن البارود الذي كان يُنثر عمداً في كل الأحياء والشوارع، ويتكدس في البيوت والمدن والقرى.
كانت ثقافة الحرب والدعوة إليها هي الرائجة، كانت تهيمن على اللغة، تحتل المسرح، تلهب المخيلة، تطغى على الصورة، تحرك العواطف. كانت الجملة السحرية البلاد التي تاريخها بلا دم تأكل كف من غيرها. كانت الثقافة تبحث عن الدم.
مع ذلك، سأتخيل لو أن الحرب لم تقع، وبقيت حياتي في مسارها المعتاد، هناك حين كنت طفلاً في شارع يسكنه دروز من الشوف لديهم سيارة بلايموث، وسريان من أصول سورية، وموارنة من بلدة الدامور لديهم مخمر موز، وأرثوذوكس من نواحي الكورة، وشيعة من حولا والهرمل وبنت جبيل، وأكراد من حاملي أوراق جنسية قيد الدرس، وأرمن أقوياء... جميعهم فقراء حيّ النبعة الشهير، جميعهم يغسلون الشارع كل يوم بعد الظهر ويخرجون إليه بطاولات النرد وورق اللعب وصواني القهوة وكاسات المهلبية. جميعهم نهار الأحد يشوون اللحم ويشربون العرق، ويستعيرون من بعضهم البعض ما قد ينقصهم أحياناً: القليل من الأرز، القليل من من البن، زيت الزيتون، أرغفة الخبز، البهارات..جميعهم كانوا يخجلون من إيصاد أبواب منازلهم في النهار، فيتركونها مفتوحة، ليتقافز الأولاد من منزل إلى منزل، من غير مانع أو عائق.
لو أن الحرب لم تقع، لبقي أبو مهدي جاراً لأبي ميشال، فلا يصعد إليه ذات ليلة من العام 1975 ويخطفه إلى ناحية برج حمود ويذبحه إنتقاماً لمقتل إبن عمه في معارك الشياح، ولبقي أبو حسين في تجارة الخضار، فلا يذهب ببندقيته إلى محور البراد اليوناني ويُقتل هناك في مطلع العام 1976، تاركاً خمسة أيتام، ولبقيت أم الياس الأرملة التي تكوي الجوارب والثياب الداخلية لابنها الوحيد ولم يتمزق جسدها بقذيفة دخلت نافذتها، ولبقي أيضاً أبو جورج مع عائلته ودكانه ولم يهرب في منتصف الليل خوفاً من تهديد أطلقه أبو صلاح، عتّال المرفأ، صارخاً في منتصف الشارع وهو ورفاقه من الجبهة الشعبية بأنهم سيعدمون كل جاسوس.
لو لم تمر البوسطة في شارع المراية يوم 13 نيسان 1975، ما كان أبي بعد شهر ليأتي ببندقية سيمينوف إلى المنزل، وما كان ليصعد في ذاك الحين إلى شارع الغزال في حي ضهر الجمل بمنطقة سن الفيل ليصاب بشظية قذيفة ويُقتل، وهو في الثلاثينات من عمره وأنا في سن التاسعة، وما كنت وأسرتي لنتهجّر مرتين، وما كنت صرت مسلحاً وأنا ابن الرابعة عشرة، أقضي السنوات في اللهو المميت بين الرصاص والقذائف، وما كنت مراهقاً مجنوناً يتعدى على طمأنينة الناس ويقضّ مضاجعهم ليلاً نهاراً هازئاً من أي قانون، شريكاً في تخريب بلدي وفي إنزال الألم بالناس. ربما من غير الحرب لبقيت برعاية أبي، وربما تحصلت على تعليم أفضل وعيش أقل فقراً، وبلد يكسبني نمط حياة هانئاً وفرصاً لا يمكن حصرها للتفتح والإزدهار والسعادة، وذاكرة عمر لا يغمرها الخوف وتلطخها الدماء.
اليوم، وبعد 36 سنة، ثمة فدائيون جدد بأيديولوجية أكثر عبثية من حرب التحرير الشعبية الطويلة الأمد وأشد إصراراً على استباحة الدولة والأرض وحياة الناس. فدائيون ليسوا غرباء ويتمتعون بحضن أهلي طائفي منيع، ويحوزون سلاحاً أقوى بأشواط من سلاح عام 1975، وهم مصممون على تنصيب سلاحهم سياسة وحيدة، ودستوراً وحيداً، وقانوناً وحيداً لنا ولأبنائنا... وبالتأكيد، والحال هذه، ثمة بوسطة جديدة نتوقع مرورها كل يوم وقد تذهب بنا إلى المأساة مرة تلو المرة، من غير اتعاظ.
الفارق الوحيد اليوم، أنني لن أكرر ما فعله أبي، لن أذهب بحثاً عن بندقية، ولن يذهب إبني إلى شوارع الحرب. من هذا الفارق، الذي إن صار خياراً عاماً، قد نمنع التاريخ من سماجة التكرار. وذاك هو الرهان كي يغدو السلاح عاطلاً عن العمل، مركوناً في حضن التفاهة. ذاك هو الرهان كي تغدو الحرب في الماضي حقأ.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00