8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مليون لأ لوصاية السلاح

أهذا 13 آذار 2011؟ أم 14 آذار 2005؟. مشهد الأمس في ساحة الحرية ومشهد ما قبل 6 سنوات في الساحة نفسها تشابها بفعل الزخم الاستثنائي الباعث المفعم بالطاقة، الذي جاء به مواطنو ساحة الحرية، ساحة الشهداء. هذا العام، يشبه الأعوام السابقة، ولا شك، لكنه يفترق عنها، نبْضاً ومزاجاً، ليقترب أكثر من اللحظة الأولى: 14 آذار 2005.
ومن يعبر بين الناس، من يتجوّل وسط الجمهور ولديه خبرة التظاهرات السابقة، سيلحظ هذه المرة عودة غير الحزبيين. سينتبه أكثر من أي مرة سابقة عودة الأفراد المواطنين والمستقلين، سكان المدن على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية، الذين تحفّظوا سابقاً على المسار السياسي التسووي، وشككوا في مساومات 14 آذار. هؤلاء كانوا أمس، الإضافة النوعية، إذ شكّلت عودتهم مكسباً للون المدني الذي امتازت به ثورة الأرز. وقد لاقتْ عودتهم على الأرجح إرادة قادة 14 آذار بـالعودة الى الجذور.
في هذا السياق، كانت استثنائية عودة الجمهور المسيحي من أهل المتن وأهل الجبل وأهل كسروان وأهل الأقضية الشمالية. عدا عن هبوط أهل الأشرفية وجوارها الى الساحة في سيل متصل منذ الساعة الثامنة صباحاً. فالشعار الواضح، البسيط والحقيقي مسّ أولئك الذين لا ينتمون لأحزاب وتيارات. مسّ فيهم مصلحتهم الأولى ورغبتهم الأساسية: أن ينعموا بالسلم، بسيادة الدولة، بالحرية.. وبالتحرر من كل خوف. ذاك هو الذي جعل 13 آذار 2011، في الصورة وفي السلوك وفي كيفيات الحضور وأسبابه وفي المشهد، هو الأقرب لمشهد 14 آذار 2005. ثمة دافع جديد بقوة الدوافع الأولى. ففي السنوات السابقة كادت 14 شباط/ 14 آذار تتحول الى مناسبة تقليدية، وإلى احتفال سياسي موسمي ونمطي. لكن هذه المرة جاء الناس، خصوصاً اللاحزبيين، أهل المجتمع المدني، كما لو أنهم وعدوا أنفسهم بـبداية ثورية جديدة.
التأثير الآخر، والذي سبب هذا التجدد الحيوي، والمفاجئ تقريباً، في يوم 13 آذار، كان يقين الناس بأن الخطر أصبح جدياً: السلاح ليس موجهاً ضد تيار المستقبل أو ضد الكتائب أو يستهدف القوات اللبنانية. هذا السلاح أوغل منذ العام 2008 في تهديده لحياة اللبنانيين، وها هو اليوم يحاصر الدولة ويقوّضها. ذاك اليقين جعل أهل الجبل والشوف شديدي الإصرار أولاً على النزول، وثانياً على إبراز هويتهم بأعلامهم وشعاراتهم وقمصانهم الموحّدة، التي تقول بإلحاح: .. ونحن أيضاً هنا، رغم كل ولائنا المعروف، ورغم حزبيتنا المعروفة. وبهذا اليقين أيضاً، شهدنا في الساحة أولئك الآتين من الجنوب والضاحية بفرديتهم واستقلاليتهم، هم الذين كانوا مستائين من أداء 14 آذار على حساب خياراتهم المتمردة على وصاية الثنائي الحزبي على الطائفة الشيعية. هؤلاء عادوا بالأمس الى الساحة بعد غياب. وهذا ما أضاف لوناً من ألوان مشهد الأمس.
الأثر الفعّال في تعبئة وحشد الأمس، كان شعور الكثيرين بأن الثورات في المدن العربية، إنما هم السبّاقون إليها، وهم الذين صنعوا أول انتفاضة مدنية سلمية في هذه المنطقة. بهذه العاطفة عادوا أمس ليعلنوا انحيازهم الى الأحلام نفسها التي يتشاركون بها مع أهل القاهرة وأهل تونس.
وإذا كانت لأ، شعار الأمس، قيمة سالبة، إلا أنها إذ أتت بعد الانقلاب على الانتخابات وأصوات الناخبين، تحوّلت الى قيمة إيجابية طالما أن الحضور شهد مجيء الذين سُرِقت منهم أصواتهم، وليعلنوا في الساحة قرارهم الانتخابي: نعم للأغلبية الديموقراطية، لأ لغلبة السلاح.
يمكن القول أيضاً إن قوة 13 آذار 2011 أتت من خروج اللبنانيين من حال الزعل والعتب على قادتهم، ليجددوا ثقتهم المشروطة بهم، وليصونوا خيارهم الذي أشهروه بوجه السلاح في انتخابات 2009. لذا كان أمس مناسبة لإجراء مصالحة علنية بين القيادة السياسية التي اعترفت بعثراتها وأخطائها من جهة، والجمهور العنيد الثابت، فانتفت المسافة في الشكل (القادة والمسؤولون في عراء الساحة بلا فاصل أو خيمة خاصة) وفي المضمون: ما يرفعه الناس من شعارات هو عينه ما تقوله الخطب.
المفارقة الكبرى التي أبرزتها 13 آذار هي الصورة الأخرى: الطرق التي تصل الى الساحة من جهة رأس النبع بشارة الخوري، وزقاق البلاط وبرج المر.. كانت خالية إلا من انتشار كثيف للجيش اللبناني. هناك كان الخوف الذي يشيعه السلاح ما زال بأطيافه وأشباحه يحتل الكثير من زواريب وشوارع العاصمة. هناك لا مأمن للعابر، لا حرية قول ولا حرية تظاهر. هناك تتربص السكاكين والبنادق بالمدنيين العزل، هناك تتجلى مفارقة العيش تحت رحمة السلاح وقوانينه.
مفاجآت كثيرة حفلت بها التظاهرة، لكن أمس، كانت المفاجأة السياسية والمعنوية، هي خروج سعد الحريري من طور الحزن والهم والهواجس الى طور العزم والثقة والتفاؤل والقوة. إنها على الأرجح، ولادة ثانية له ليس من الناحية الكاريزمية فقط، إنما أيضاً من الناحية السياسية. وبالتأكيد كانت كلماته المباشرة: هل تريدون السلاح؟ فكان مليون جواب: لأ.
بهذا الأسلوب الواضح كان الحريري الشاب، للخصوم وللحلفاء، هو المفاجأة النوعية التي تضاف الى الحال الاستثنائية لـ 13 آذار 2011.
ما تحقق أمس هو استعادة حركة 14 آذار لبنانيتها على حساب فئويتها. وهذا أهم إنجاز يحدث في يوم واحد.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00