من الجائز القول إن الانتفاضة اللبنانية قد سبقت الانتفاضتين التونسية والمصرية، بست سنوات تقريباً، من دون أن يُحسب هذا السبق الزمني مأثرة. كذلك من الجائز الافتراض أن ثمة أوجه شبه بين ثورة الأرز والثورتين العربيتين من نواح عديدة أساسية وجوهرية، منها تصدّر الشبيبة ميدانياً وسياسياً، ومباشرتها هي بالذات للانتفاض من دون انتظار للأحزاب وللأهل؛ ومنها أيضاً توسل المشهدية والاستحواذ على الصورة والكاميرا بوصفها عاملاً حاسماً في صناعة الرأي والتأثير، وفي امتلاكهما أسباب القوة. كذلك العمل على الحشد والتعبئة للسكان في التظاهر والاعتصام والمسيرات وانتقاء ساحة وسط العاصمة مكاناً جامعاً للجمهور، من دون انقطاع، وتحويله مبيتاً للثورة، ومقراً لقيادتها وخلاياها، ومحجة للمؤيدين والمراقبين والفضوليين وللإعلاميين، فتكون الساحة اختزالاًَ رمزياً وعيانياً للثورة وللبلد وللعاصمة وللإرادة الوطنية، وهي النواة والقلب بقدر ما هي الجسم كله.
وأوجه الشبه لا تقتصر مثلاً على اللجوء إلى رفع العلم الوطني وحده بأعداد كثيرة، رفعاً احتفالياً يوازي الشعور بإعادة اكتشاف العَلَم والزهو به، بل أيضاً الاستئناس إلى جعل الثورة كلها متماهية مع سلوغن واحد بسيط لا يملّ المتظاهرون من ترداده: فمن حرية، سيادة، استقلال اللبناني إلى Bin Ali degaje التونسي إلى الشعب يريد إسقاط النظام المصري. والأوضح في الشبه هو الانتقال من تظاهرات الجماهير على المعنى الستيني والسبعيني وحتى وقت قريب، حيث تهيمن الذكورية النضالية الغاضبة التي تريد مقارعة الامبريالية والاستعمار والصهيونية، حارقة أعلام العدو... إلى تظاهرات شعبية تتلوّن بالشباب والكبار والصغار والعجائز وتدخلها النساء والصبايا من غير غرابة أو حرج وتأتيها الأسر والعائلات مشاركة ومحتفلة. وهذا الانتقال ما كان ليتسنى لولا أن هذه الثورات الثلاث اعتمدت طرائق الاحتجاج السلمي المدني، وأخذت السياسة ومطالبها من ميدان القضايا الكبرى المجردة والأيديولوجية والمفتعلة، إلى ميدان قضايا الحياة اليومية وشروطها الإنسانية والحقوقية والاجتماعية (الخبز والحرية والكرامة والعدالة ومحاربة الفساد وحق الانتخاب والدستور...).
وعلى الأرجح فان اشتراك تلك الثورات في مبدأ الانتفاضة السلمية المدنية أسقط من يد السلطات القامعة أدوات السيطرة. فهذه السلطات، تقليدياً، إما مدربة على ملاحقة خلايا إرهابية أو على مطاردة تشكيلات حزبية منظمة وحصرية، أو إحباط محاولات انقلابية عسكرية، أو تدجين أحزاب معارضة واختراقها وتكبيلها، أو محاصرة تظاهرات فئوية قليلة العدد والتأثير، كما هي معتادة أيضاً على قمع نشطاء أفراد معزولين. وفي أسوأ الأحوال، كانت تلك السلطات مهيأة ومدرّبة على مواجهة انتفاضات مسلحة أو مجموعات شغب وتمرّد ترعب السكان قبل ان تخيف النظام. لكن كل هذا لا يمت بصلة إلى فكرة خروج الناس مسالمين إلى الشوارع دفعة واحدة. فهذا العصيان المدني الشامل هو بالضبط ما لم تعدّ له السلطات خطة أو إستراتيجية فعالة. فقد حار جهاز المخابرات السورية ونظامه الأمني في لبنان في كيفية منع مجيء الناس إلى ساحة الشهداء في بيروت إلى أن اهتدى بعد فوات الأوان لفكرة التظاهرات المضادة. في حين لم يعرف النظام البوليسي التونسي سوى إطلاق النار والترويع من غير طائل، فيما أبدى النظام المصري بعض البأس والحيلة إذ مزج بين استخدام البوليس وإطلاق النار وتعطيل وسائل التواصل الهاتفي والانترنتي وتسيير التظاهرات المضادة، وابتكر فكرة نشر الفوضى والفراغ الأمني وإطلاق المساجين ونشر الدهماء والبلطجية نهباً وسلباً، فكانت المحصلة تغذية الثورة بأسباب إضافية.
وعلى هذا يمكن القول إن اشتراك تلك الثورات بمبدأ الاحتجاج السلمي وطرائقه وتلبسّها الهوية المدنية والوطنية الجامعة، وأخذها بقيم معولمة كالديموقراطية ورفض الديكتاتورية والفساد، أفضى بها إلى اكتساب تعاطف معولم، أتاحته صلة تلك الثورات الحميمة والعضوية بسطوة الميديا ووسائطها وصورها وتعابيرها، كذلك صلتها الأكيدة بتكنولوجيات التواصل وثقافتها وفنونها، فكانت ثوريتها تكمن بالضبط في تلك الأدوات كما في ابتداع لغة سياسية وشعارات متأتية من ثقافة تلك الأدوات تحديداً.
فشعارات الشارع في هذه الثورات تتصف معاً بأنها تمزج الخفة والدعابة والسخرية والجدية، وتبث روحاً كرنفالية في ثنايا الغضب والاحتجاج.
وفي الشبه أيضاً، أن الثورات الثلاث لجأت إلى السيطرة على الزمن اليومي وتقسيماته. فإذا كانت السلطة عادة هي التي تعيّن مواقيت العمل والراحة والعطلة والدوام الرسمي والمناسبات العامة، فان تلك الانتفاضات استولت بالفعل على واحدة من أهم وظائف السلطة: السيطرة على الزمن. فهي نجحت في جدولة مواقيت الناس من تظاهرة إلى تظاهرة ومن تجمع ومسيرة إلى اعتصام، ومن سهر إلى نوم، ومن إضراب إلى مناسبة.. الخ في تناوب متصل ومتنوع يهيمن على إيقاع الأيام والأسابيع. وهذه الإستراتيجية كان لها الأثر الحاسم في نجاح تلك الثورات إلى حد أنها سميّت استلهاماً من ميعاد زمني محدد: 14 آذار اللبنانية، 14 يناير التونسية، 25 يناير المصرية.
انها تشابهات في الأهداف والوسائل والمضامين والمظاهر، لا تخفي أبداً الاختلافات الكثيرة والتباينات الحقيقية بين مصر وتونس ولبنان. ولا يحتاج المرء إلى فطنة كبيرة ليدرك الفوارق في التركيبة الاجتماعية والسياسية بين هذه البلدان، وأثر هذه الفوارق على مسار كل ثورة ومآلها، فمن الانقسام الطائفي أو عدمه إلى طبيعة كل سلطة وسمة كل نظام حاكم إلى العوامل الخارجية، إلى الميزات الثقافية والإرث التاريخي والنظام الاقتصادي ومكونات الهوية الوطنية... كلها واضحة في تباينها واختلافها ما بين هذه البلدان ولها الدور الفاصل في تحديد طبيعة الثورة وخواتيمها.
لكن بالعودة إلى التشابه، فإن الثورتين المصرية والتونسية قد تواجهان مخاطر حقيقية تشبه ما أصاب الثورة اللبنانية. فاذا كانت الثورة التونسية قد اقتربت كثيراً من الوصول إلى نهاياتها السعيدة، واكتسبت سريعاً استقراراً وأمناً ووفاقاً وطنياً، مع التزام واضح حتى الآن في تنفيذ برنامج التحول الديموقراطي وباتت تتمتع بحصانة داخلية، مع رعاية أوروبية ودولية تبدو حتى الآن مطمئنة، إلا ان ذلك لا يعدم أسباب الخوف على تونس (البلد الصغير) طالما انها محاطة من الجانبين بدولتين كبيرتين، هما ليبيا شرقاً والجزائر غرباً. فالحاكم الليبي أبدى عداء سافراً للثورة التونسية، وهو بقدر خوفه من العدوى الثورية في بلده، التي تجلّت عوارضها في الأيام الأخيرة، لديه خبرة قديمة في تصدير أعماله الثورية مالاً وسلاحاً. بل إن تلك العدوى التونسية قد تدفعه للهروب إلى الأمام، مفتعلاً، بالطريقة القديمة ذاتها، اضطراباً ما على الحدود أو أبعد من الحدود تحت مسميات المؤامرة والمخططات الاستعمارية أو مطاردة تنظيمات إرهابية.. فيما الجزائر بنظامها العسكريتاري غير الودود للنموذج التونسي الجديد، والذي يعاني بدوره من أعراض الانتفاضة الشعبية، قد لا يتردد في ابتكار معضلة بوليساريو جديدة هنا أو هناك، أو يخلق حالة جهادية يتبادل فيها المجازر والخدمات والعداء والحلف الموضوعي، بكل ما تحفل به تعقيدات وخبرات الحرب الأهلية الجزائرية.
وكما كان للنظام السوري، الذي تأذى من الانتفاضة اللبنانية، اليد الطولى في ابتداع الثورة المضادة (8 آذار) بدعم إيراني سخي وغير محدود، استثمر فيها العوامل الطائفية وعلاقاته مع تلابيب المجتمع اللبناني ونخبه وجماعاته طوال ثلاثين سنة من الوصاية، بالإضافة إلى رواسب الوجود الفلسطيني المسلح، وضعف الدولة، ومناعة الدويلة التي أنشأها حزب الله برعايته، كان لهذا النظام ان دفع بقوى الممانعة نحو ثورة مضادة، تعمدّت الهروب إلى الأمام في حرب مع إسرائيل، أمعنت بعدها في تقويض منجزات 14 آذار وتكاد تجهضها نهائياً... ويبدو أن ثورة مصر قد تواجه قريباً أجندة شبيهة. فسوريا التي تريد اسقاط كامب دايفيد وإيران التي تكنّ عداء صريحاً لمصر، لن تعدما وسيلة للتأثير على مآل الثورة المصرية. وهما اللتان أعلنتا رسمياً وإعلامياً عما يتوجب على الثورة تبنيه: اسقاط كامب ديفيد والالتحاق بمعسكر الممانعة وفكّ الحصار عن غزة (عن حماس على وجه الدقة) وإعلان العداء لأميركا والانضمام تحت راية أحمدي نجاد لشن الحروب على إسرائيل، والانصياع لإرادة الإمام الولي الفقيه بصنع شرق أوسط إسلامي يديره الحرس الثوري ويرتع فيه حزب الله وحركة حماس من غير رقيب أو حسيب، وترك مطلب الديموقراطية وآفات الغرب جميعها.
من أجل كل هذا يخطب حسن نصرالله في المصريين بإلحاح وتصميم وبلغة يبدو فيها وكأنه شريك في تلك الثورة. ومن أجل هذا تتحرك إيران بسفنها عبر قناة السويس في رسالة واضحة لمصر وإسرائيل وأميركا ودول المنطقة جميعها بأن إيران هنا ولها حصتها وإرادتها ومصالحها.
إن قوى الممانعة (المرتعبة من الثورات داخل دولها) تدرك تماماًَ ان هناك نافذة صغيرة، لن تظل مفتوحة لوقت طويل، للتسلل إلى قلب الحدث المصري، وهي من أجل تغيير مسار الثورة هناك قد تؤلف سيناريو يشبه ما حملته أحداث تموز 2006 بلبنان، فالتلويح باحتلال الجليل من قبل حزب الله فيما السفينتان الحربيتان الإيرانيتان تعبران قناة السويس، مع جهوزية غزة للإنفجار في وجه إسرائيل أو الانفلاش نحو سيناء، بالإضافة إلى شعور إسرائيل بأن الحسم العسكري مع الملف النووي الإيراني بات ملحاً. قد تكون كلها عوامل ضاغطة على مصر التي لا تخلو من جماعات ممانعة إخوانية ويسارية وقومية، تشكّل هكذا مناخات فرصة ذهبية لها لحرف الشارع نحو هيجان سياسي حربي يخطف الثورة ويبدّل ماهيتها.
ما يحدث الآن يتعدى الانتفاضات الشعبية العفوية. فثمة تبادل دعم ثورات وثورات مضادة وتصدير اضطرابات في البحرين كما في اليمن وليبيا والجزائر والأردن والعراق ولبنان وإيران، لكن بالتأكيد فان ما سترسو عليه مصر الثورة هو الذي سيقرر إلى حد كبير، بعد فشل الشرق الأوسط الكبير الأميركي، هل سيولد شرق أوسط إيراني أم شرق أوسط تركي أم شرق أوسط عربي ديموقراطي.
بمعنى آخر، ان كل الاستنفار الإيراني (ومعه سوريا وحزب الله وحماس) ضد إسرائيل، ليس هدفه إلا مصر ومصيرها الثوري.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.