في الأسبوع الأول للانتفاضة الشبابية الشعبية في مصر، كانت السمة الغالبة على المشهد المصري هي وجود خليط من الفئات الاجتماعية المختلفة في ساحات مدن مصر وبلداتها، منتظمة في مسيرات وتظاهرات سلمية مدنية تطالب بالتغيير، أي بإسقاط النظام. وتطمح إلى دولة ديموقراطية دستورية، تضمن الخبز والكرامة والحرية وتحارب الفساد. كانت تلك ثورة إصلاحية، أطلقها الشباب المصري المؤتلف من الناشطين الاجتماعيين والحقوقيين والصحافيين والمدوّنين وطلبة الجامعات وخرّيجيها والكثير من القضاة وأصحاب المهن الحرة وأبناء الطبقة الوسطى وسكان المدن والأحياء الراقية وأبناء البرجوازية الوطنية، إضافة إلى جماعات ناشطة من المحامين والمثقفين والفنانين، وقد خالطهم وانضم إليهم المعارضون التقليديون من الأحزاب الصغيرة كالناصريين واليساريين والليبراليين، كذلك التحقت بهم شخصيات سياسية مستقلة، وجماهير الأحياء الفقيرة والطرفية. وتردد الأخوان المسلمون (وهو الحزب السياسي الأكثر تنظيماً وانتشاراً بعد الحزب الوطني الحاكم في مصر) لأكثر من ثلاثة أيام قبل أن يقرر المشاركة بزخم وقوة في هذه الانتفاضة، إبتداءً من ظهيرة يوم الجمعة 28 كانون الثاني 2011.
في مشهد الأسبوع الأول هذا، كان النظام الحاكم بالمقابل يتعامل، إعلامياً وسياسياً وأمنياً، مع تلك الانتفاضة، تارة بأنها تظاهرات شبابية تستحق الإحترام والتقدير، وبأنها مظهر حضاري يدل على تمتع مصر بالحريات وبرحابة صدر السلطة وتفهمها، وأن مصر ليست تونس. وطوراً كان سلوك النظام عدائياً وبأن ما يجري في الشوارع هو حركة يقوم بها أناس جهلة وصبية مضللون يستحقون التأديب بالعصي والقمع البوليسي العادي، كما كانت تجري الأمور دوماً.
حتى ذلك الوقت، لم يكن المتظاهرون واثقين تماماً من قدرتهم على استنهاض أكثرية المواطنين، ولا كانت السلطة متيقنة حقاً من مدى الخطر الذي يداهمها (وهذا ما يذكّرنا تماماً نحن اللبنانيين بعشية 27 28 شباط 2005). كان التوجّس هو الذي يحرك الطرفين، لكن مع فارق نوعي أن المعارضة الناشئة سريعاً كانت تصنع المبادرة فيما السلطة ترتبك بين عقليتها الأمنية الضيقة والقيود السياسية الإعلامية التي كانت تطوّقها داخلياً وخارجياً. وكان تكرار مقولة مصر ليست تونس لا تأتي سوى بنتيجة واحدة: لم لا؟. أي أن السلطة بتكرارها لتلك المقولة أضفت جاذبية هائلة على معارضيها. هدية لا تقدر بثمن.
ثم جاء يوم جمعة الغضب، وهو ذروة الأسبوع الأول، وفيه إمتُحن المتظاهرون والنظام في شكيمتهما وعزيمتهما، وفي الصراع على كسب الرأي العام داخلياً وخارجياً، كما في السيطرة على الشارع وعلى الصورة وعلى اللغة. ودام هذا الإمتحان طوال النهار وحتى بداية المساء. وكانت تلك ساعات حاسمة، أظهر فيها المتظاهرون والمعتصمون في ميدان التحرير بالعاصمة (وفي كل ساحات المدن الرئيسية) شرعيتهم التمثيلية للشعب المصري، كما بدا النظام وكأنه إنعزل اجتماعياً وسياسياً وسقطت قوته التمثيلية. وهذا ما رآه الحليف قبل أن يراه العدو. وأيقن الجميع أن عهد مبارك غير قابل للتمديد أو التجديد. وأول من أدرك ذلك كان أركان النظام أنفسهم، فكان قرار الإنسحاب للشرطة من كل أرجاء مصر، وترك البلاد نهباً لإنفلات أمني مدبّر ومنظّم، لإثارة أكبر قدر من مناخات الترهيب والترويع، في سبيل تأكيد نظرية التخويف القديمة إياها: أنا أو الفوضى أو الإستقرار بأي ثمن.
والحال، أن اللجوء إلى تدبير النهب والسلب وإشعال الحرائق وترويع السكان، عمداً أو إهمالاً، كان إقراراً ضمنياً من النظام بخسارة سلطته. فالشرطة التي لا تفعل إلا القمع وإما الفوضى، لا تنفذ مهمتها السلطوية الوحيدة المنوطة بها: توفير الأمن وإنفاذ القوانين. والتخلي عن هذه المهمة هو التخلي عن السلطة.
لم يُسقط المتظاهرون السلطة، وإن نزعوا عنها الشرعية. لكن النظام في لحظة استدعائه للجيش طلباً لعازل عسكري بينه وبين المواطنين كان يتنازل عملياً عن سلطانه وسيطرته. فالجيش في حياده الملتبس، وفي ترحيب المواطنين به، كان قد صار في الشوارع لأن العلاقة بين الدولة والشعب باتت معطوبة تماماً. وهكذا إتجه النظام خطوة إضافية نحو أفوله.
على هذا الأساس ومن وراء عازل الجيش، ومنذ صبيحة السبت 29 كانون الثاني وحتى مساء الإثنين 1 شباط، إشتغل أركان النظام وحزبه في الإعداد للإنسحاب، لكن عبر هجوم مضاد إنتقامي. كان يعرف أنه خسر الحرب عندما فشل في تنظيم تظاهرات سلمية موالية له، إذ بدت هذه المحاولات كاريكاتورية وهزيلة. ولذا قرر كسب معركة واحدة على الأقل، تكون ثأرية ويائسة. هكذا كان يوضب حقائبه ويشحذ سكاكينه في آن معاً.
يمكن القول، منذ الآن، أن الأربعاء الدامي (2 شباط 2011) لن يغير في النظرة إلى النظام في مصر فحسب، لكنه بالتأكيد سيغير من طبيعة الانتفاضة المصرية ووجهتها أيضاً. فالجناح الأكثر تطرفاً في النظام وحزبه هو على ما يبدو أخذ المبادرة وقام بتجييش الباسيج المصري (البلطجية) للتنكيل بالمواطنين والصحافيين، صابغاً الانتفاضة السلمية بالدم. وبقدر ما هي عملية غادرة بجمهور ميدان التحرير، بقدر ما هي غادرة أيضاً بمكانة الجيش الذي تفاقم حياده إلتباساً وإحراجاً.
وأظهر بعض رجالات النظام في تعليلهم الضعيف والمتهافت لصدامات الأربعاء الدامي، إصرارهم الأعمى على أن كل ما جرى، خلال الأسبوعين الأخيرين في مصر، ليس سوى مؤامرة خطط لها ونفذها الأخوان المسلمون. ومرة جديدة يتبين أن وسواس الأخوان المسلمون شديد التمكّن من عقلية النظام وخياله. فهو لا يرى في أي اعتراض أو احتجاج أو إختلاف أو حراك سوى أولئك الشياطين: الأخوان المسلمون. وكما نعرف، من يستدعي العفاريت لا بد أن تأتيه.
بمعنى آخر، فإن ناس الانتفاضة بكل تلاوينهم ليسوا، في نظر النظام، سوى تمويه ماكر لمؤامرة إخوانية. وعليه أجاز الحزب الحاكم لجلاوزته وبلطجييه ودهمائه أخذ جمهور ميدان التحرير إلى مذبحة موصوفة، لا بد أن يشعر المرء أن فيها الكثير من روح الثأر والتشفي والإحتقار والإهانة لأربعة وثمانين مليون مواطن مصري.
وهذه الفعلة الدموية الصادمة لا بد وأن تدفع بجموع المواطنين إلى ردة فعل، عامرة بالضغينة، تتجاوز بكثير روحية الأسبوع الأول الفايسبوكية (إذا جاز التعبير)، وستدفعهم أكثر إلى مواقف أشد عدائية تجاه النظام ورموزه، وأكثر تطرفاً وجذرية في مطالبه. وبكل بساطة ستجد الغالبية العظمى من المتظاهرين غير المسيسين نفسها، ومعها الليبراليين والوفديين والناصريين والمستقلين، وقد باتوا أقل قابلية على مقارعة النظام وأجهزته، طالما أنهم دفعوا من قبله إلى نوع عنفي من المواجهات لا قدرة لهم عليها. فيما سيرى الأخوان المسلمون أنهم يتصدرون المشهد - بإرادته أو بإرادة النظام لا فرق أي سيشعر تنظيم الأخوان أن ساعته قد حانت، وهو الذي لطالما حلم بهكذا لحظة منذ أكثر من ستين عاماً. هدية من النظام لا تقدر بثمن.
هكذا، وبدلاً من الإنتقال السلس للسلطة، وبدلاً من التغيير الديموقراطي والإصلاحي، وبدلاً من الحفاظ على وجهة مصر في السياسة الدولية والإقليمية، وبدلاً من الحفاظ على إنجازات النظام وديمومة الدولة... لا تفعل السلطة اليائسة سوى دفع البلاد إلى أحضان الشياطين التي أيقظتها عمداً، والتي ظلت عقوداً تحكم بإسم محاربتها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.