علبة القوابس الكهربائية التي اشتريتها من سوق الأحد، بربع السعر المفترض، ساحت كالزبدة (بالمعنى الحرفي للكلمة) في أول استعمال لها.
مع ذلك ما زلت أذهب إلى هناك، تحت جسر التحويطة، حيث أصادف ما لا أصادفه في بيروت، واشتري أغراضاً أعرف أني سأرمي أغلبها بعد أول استعمال لها.
مع دخولي إليه تأتي أصوات أكثر الموسيقات والأغنيات سوقية وإسفافاً، ما ينعش في روحي تلك النشوة في التلصص والإنصات إلى أردأ أنواع الكيتش المحلي والوطني: حمّي فُرنِكْ يا أم حسين وعمليلي منقوشة تصدح الأغنية بلهجتها البعلبكية والجردية، المتفاخرة بالفحولة والصلادة، أغنية تمتدح أخلاقيات الفقر والفقراء، بقدر ما تضمر إيحاءات في الجنس وترميزاته.
وعلى منوال فرن أم حسين، كما أتخيله وأتخيلها، فإن سوق الأحد هو تدبير اللاإقتصاد وإفلاساته. هو مطرح تصريف تجارة الخواء، أو هو سقط متاع التجارة وبوارها. بضاعة يجب أن لا تباع وزبائن لا يستطيعون الشراء. وما بينهما يأتي الفضوليون، الضجرون، المتبطلون، النشالون، صيادو الفرص، المتلصّصون، المخدوعون.. ومع هؤلاء كل ما قد يطلق عليه البروليتاريا الرثة.
البسطة النموذجية فيه تحوي (كل الأصناف رديئة الصنع): مفكات براغ وخردوات كثيرة، علب قطن تنظيف الأذن، مقصات أظافر، علب كبريت، آلات حلاقة قديمة، ورق لعب، لمبات كهربائية، سكاكين صيد وخناجر حربية، محافظ جيب بلاستيكية، هواتف بلاستيكية، راديوات صغيرة وسمّاعات، أمواس، لعب صينية، ساعات يد، فستان عرس معلّق، أقراص دي. ي. دي، صابون، زجاجات عطر، مسحوق غسيل وكريم تبييض الوجه..
هناك بسطات اختصاصية لبيع الثياب مثلاً: البنطلون بستة دولارات، تي. شيرت بثلاثة دولارات وكومة أخرى من الملابس الداخلية.
فيما البائع يبث تسجيل ديجيتال يكرر بلا انقطاع لمدة ثماني ساعات أي قطعة، أي قطعة بخمسة آلاف ليرة. ولأن هناك عشرات البسطات التي تعتمد التسجيل الديجيتال في المناداة المتكررة على جملة واحدة، ولأن السوق من أوله إلى آخره يزخر ببسطات بيع الأقراص الموسيقية التي تظل صادحة بالأغنيات من طراز جورج وسوف ودومينيك حوراني ونجوى كرم وعاصي الحلاني... فإن الفضاء الصوتي هذا يتحول إلى معمعة رهيبة تخالطها أصوات الناس، وأبواق السيارات الغاضبة التي علقت عند مدخل السوق بسبب زحمة المارة وزحمة الانات المتوقفة والباصات التي تتأخر في الانطلاق.. فيما أنا أتمشى في أروقة السوق متفحصاً أقلام حبر لا تكتب ودفاتر ورقية ملونة ورطبة، ناظراً باندهاش إلى هذا الذي يبيع مناجل حصاد. من سيشتري في بيروت منجلاً؟ ثم أصادف هذا الذي يبيع كتباً بلغارية وصربية وروسية. من أين أتى بها ومن سيشتري بضاعته؟
الباعة من فور نظرتهم إليّ ينادون يا أستاذ، القلائل الذين مثلي، أي الذين ليست ثيابهم متسخة ولا متهلهلة يصيرون هنا أساتذة. الباعة بسهولة يميزون المارة ويوزعونهم بين أستاذ وزبون جدي، وسارق محتمل، وفضولي لن يشتري شيئاً. وأعرف أني وأمثالي الغرباء الوحيدون هنا. العمال السوريون، العاملات الأثيوبيات والسريلانكيات، فقراء الضواحي والأحياء الهامشيةجولة بين روائح سوق الأحد وأصواته
تعال اشتري من هنا... حيث لا شيء ينفع، العمال السودانيون، والمشردون العراقيون، والفلسطينيون، والمصريون... كل هؤلاء هم أهل السوق وشعبه. وربما هناك شيء من المتعة في أن أكون أستاذاً بينهم.
عندما أتوغل في السوق، تصل الرائحة أولاً وأعرف أني وصلت إلى منطقة الأحذية. بسطات كثيرة تكوم كميات هائلة من الأحذية المستعملة برائحتها الحريفة اللاذعة، وكميات أخرى من الأحذية الجديدة الرخيصة، برائحتها الكاوتشوكية النفاذة. مشهدها هكذا مجتمعة على الرفوف الخشبية، مفلوشة على الأرض ومعلقة على الحوافي، ومتدلية من السقوف التنكية... يجعلها مكتسبة قوة البشاعة وعدوانيتها ووقاحتها. والمدهش في هذه الأحذية هي ضخامتها، أحجامها تبدو مصنوعة لأقدام عمالقة، حتى النسائية منها تبدو كبيرة جداً وثقيلة.
ما إن أجتاز أرض الأحذية حتى أصل إلى باعة الكعك والقرفة والبهارات والأعشاب والحلويات الرخيصة، وهي بأغلبها صناعات سورية وآتية مباشرة من هناك. هواء الأحذية المميز ودخان مقلاة الفلافل والباذنجان والبطاطا الثقيل وغبار الأرض الكثيف وأبخرة الأنفاس اللاهثة والكيماويات الخفية والمحسوسة والتلوثات التي لا تحصى... كلها تغلف كومات أصناف الكعك والبهارات والأعشاب العطرية اليابسة وكدسات الحلويات الدبقة بالذباب والدبابير والأيدي التي تتناولها وتنتقي منها.
السوق الذي ابتدأ في التسعينات للأنتيكا والحرفيات، تحتل مداخله وأطرافه اليوم بسطات الخضار البائتة التي يجب تصريفها نهار الأحد قبل تعفنها صباح الإثنين، وبسطات تبيع تلك الأسماك الذهبية البائسة السابحة في أكياس النيلون الصغيرة وبسطات بيع العصافير وأقفاصها، وبسطات ترموستات تسخين المياه التي تسبب حرائق كهربائية أو صدمات كهربائية مميتة، بسطات تبيع سكاكين وقداحات مطبوعاً عليها صور قادة حزبيين، وأقراص فيديو تقرصن أفلام هوليوود كلها. وأي فيلم بسعر ألفي ليرة. وسكس، سكس أستاذ، يغمز همساً البائع صبيان، خَوَل، بنات، خبيط وتعذيب وعادي، من جميعه.. أستاذ. هذا البائع (وهو الوحيد الذي صادفت من نوعه) شبه سري، شبه علني، في وسط السوق.
لكن التجارة هنا يسيطر عليها باعة الخردوات. في الفترة الأخيرة تحول السوق تقريباً إلى المكان الذي فاضت فيه تلك البضاعة الآتية من سوريا على الأغلب: منتجات زراعية، صناعات صينية شديدة الرخص والرداءة من الكهربائيات إلى كيمياويات التنظيف. ويمكن القول إن هذا السوق هو العينة المثالية عما ينتجه الاقتصاد الموقوف والمعطّل، من نوع صناعة المناجل وبيعها في سوق بيروت. أو استيراد ريشة بلاستيكية لنفض الغبار ومحاولة بيعها على الاوتوسترادات، أو صنع قبعات كاوبوي مقلّدة (بألوان مضحكة: صفراء، حمراء، فستقية..) وتوزيعها على عشرات الشبان العاطلين عن العمل ليبيعوها هنا وهناك.
بات أساس السوق هو بيع الخرضوات: المسامير والمطارق والكماشات والمفكات والعزقات والبراغي وسائر أدوات النجارين والكهربائيين والبنائين. لكن المفارقة أن أصحاب هذه المهن نادراً ما يشترون بضاعتهم من هنا، إنما الناس العاديون الذين يحاولون تجنب الحاجة لهؤلاء الحرفيين هم من يشترون تلك البضاعة التي تشبه علبة القوابس التي اشتريتها فتحولت عند سريان الكهرباء فيها إلى عجينة حارة.
ليس هذا سوق الفقراء الذين نعرفهم، بل هو سوق ما دون خط الفقر. وهو مرتع تجارة الإدقاع، حيث يرتسم ذاك الاقتصاد الغامض الذي يستورد ويصدّر اللاشيء، ونراه صانعاً بشراً من مثل عشرات الألوف الذين يتركون بلدهم كعاطلين عن العمل، ليعيشوا عطالتهم هنا تحت جسر المطار، في صبرا، في ثنايا الأوزاعي، منتشرين على الأوتوسترادات ليبيعوا قبعة كاوبوي قرمزية اللون ويشترون قطعة ثياب مستعملة مرمية على رصيف محطة الرحاب.
هؤلاء هم على الأرجح أهل سوق الأحد وتجّاره ومحترفوه. وهم يزدهرون تحت سماء أغنيات شبيهة بفرن أم حسين، تماماً كما ازدهر سوق الروشة إبان عهد الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية، وتماماً كما ازدهر سوق الأوزاعي في عهدة أمل وحزب الله، وإن كان أقرب إلى سوق المدينة الرياضية، الذي كان باعته من رجال المخابرات السورية على ما تبين عندما حاولت الدولة إزالته فإذا به غابة أسلحة.
سوق الأحد مثل سوابقه من أسواق أيديولوجيا التعتير حيث البيئة الحاضنة، هو اقتصاد مديح الفقر والاحتفال به وتدبير ديمومته، غناء وصناعة وتجارة وممانعة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.