عند العاشرة من صباح الاثنين 12 أيار 2003 وصل الرئيس الإيراني محمد خاتمي إلى بيروت، بادئاً زيارة رسمية استمرت ثلاثة أيام.
في اليوم الأول، وما ان انتهى من توقيع الاتفاقيات ولقاء الرؤساء الثلاثة، حتى خص الرئيس خاتمي البطريرك الماروني مارنصر الله بطرس صفير بلقاء ثنائي في القصر الجمهوري، في التفاتة تعبر عن حرص خاتمي شخصياً على إضفاء طابع وفاقي على زيارته إلى لبنان، بل وتعبّر عن تقديره لدور الكنيسة المارونية في صون الكيان اللبناني كـدرة منيرة، حسب ما كتبه خاتمي في السجل الذهبي لزوار القصر الرئاسي في ذاك اليوم.
الحفاوة الرسمية والشعبية التي لقيها الرئيس الإيراني بدت آنذاك وكأنها تعبر عن توق اللبنانيين، بأن يجدوا في خاتمي أملاً في إزالة التناقض الذي يعانون منه بين الطموح إلى الدولة وسلاح المقاومة، بين الإنتماء إلى الشرق وقضاياه والإنتساب إلى الحداثة، بين قيم الديموقراطية والالتزام الديني. ذاك أن خاتمي الملحّ في دعواه إلى حوار الحضارات هو الذي ردّد كثيراً أن لبنان هو الموقع المتميز ثقافياً واقتصادياً لهكذا حوار، بل إن زيارة خاتمي في ذاك العام توافقت مع صدور الإرشاد الرسولي للكنيسة، فبدت لغة الرئيس الإيراني متساوقة مع لغة الإرشاد.
وفي السياسة بدت أقوال خاتمي غير متصادمة على الأقل مع رغبة المواطنين اللبنانيين في الخروج من عزلة الممانعة التي فرضها آنذاك نظام الوصاية من جهة وجهازا المقاومة والنظام الأمني المشترك من جهة ثانية.
يومها قال خاتمي: لا نرغب في تصعيد التوتر، ولا يجب اعطاء اسرائيل ذرائع.. والبارز هو إعلانه أناشد لبنان حكومة وشعباً ومثقفين وإعلاميين وأحزاباً أن يعكفوا مرة أخرى على إشاعة خطاب السلام والتفاهم والحق والعدالة في كافة أرجاء المنطقة كما في العالم.
يومها كتبت الصحافة ان الرئيس الاصلاحي لديه رسالة إلى طوائف لبنان وأحزابه، ان يكونوا أكثر انهماكاً في عيشهم المشترك وفي الإنطلاق نحو دولة الحداثة، وبعضهم يستقبلونه كما لو أنه قائد ثورة لا رئيس دولة (..)
الرئيس الإيراني، واذ أتى فليس ليضغط على أحد ولا ليدعم أحداً، لكن ليصنع علاقة بين دولتين تتجاوزان ماضي الثورات والميليشيات، يأمل منها خاتمي أيضاً أن يكون لها صدى في بلاده. ومن المؤسف ان يظن بعض دولتنا، وبعض مجتمعنا عكس ذلك.
وفي تعليق صحافي آخر تحرر الرئيس خاتمي، في بيروت، من شركائه الثوريين، الذين يقاسمونه حكم الجمهورية الاسلامية في إيران وأغلب الظن أن زيارة خاتمي هذه، إذ تفتتح حضوراً إيرانياً جديداً، فهي تختتم حضوراً إيرانياً قديماً دشنه الحرس الثوري عام 1982.
في اليوم الثاني للزيارة التاريخية (حسب الاعلام اللبناني والإيراني) ذهب خاتمي أولاً إلى قصر الأونيسكو بضيافة الجامعة اللبنانية التي منحته الدكتوراه الفخرية ملقياً كلمة في مثلث الحياة الانسانية: العلم والسياسة والأخلاق مختتماً كلمته بمقطع من قصيدة بدر شاكر السياب أنشودة المطر: مطر.. مطر.. مطر.. سيعشب العراق بالمطر.
في ذاك اليوم ألقى خاتمي أشهر الخطب التي قيلت في لبنان، في المدينة الرياضية التي اكتظت بحضور أكثر من خمسين الف شخص. يومها قال: لبنان، بلد الحب والعدالة والوعي. فهنا تأخذ الأرض صورة سماوية. حيث يمتزج الحب اليسوعي مع الحكمة المحمدية والعدالة العلوية.. ليكون الإنسان اللبناني برجاله ونسائه اسوة للانسان الذي يعيش مظلوماً لكن يظل رأسه مرفوعاً، لبنان يمثل لوحة فنية رائعة تبلور صورة متألقة عن الدين والأدب والثقافة والفن والسياسة. لبنان يمثل جوهرة تشع النور في عتمة الليل، فيؤذي شعاع نورها عيون هواة الظلام (..) وهم غافلون من أن ضمان ديمومة لبنان والحياة اللبنانية الكريمة، انما يكمن في القناعات الراسخة والقلوب التي تخفق حباً لله وللحياة، والأرواح المتعطشة التي لا يُروى غليلها إلاّ من نبع الديموقراطية وحب العدالة والمقاومة (..) لبنان الشامخ يمثل عالماً متكوناً من عوالم عديدة.. عالم الأديان والمذاهب، عالم الطوائف والمجتمعات، عالم الأحزاب.. أليس هذا العالم تجسيداً للجمع بين التعددية والتضامن، بين الكثرة والوحدة، بين المقاومة والتعايش؟ (..) انني قد فكرت في حوار الحضارات والثقافات ولا أزال، فوجدت في لبنان مصداقاً بارزاً لذلك (..) لبنان يمثل نموذجاً لنجاح الحوار بين مختلف الإتجاهات والأفكار، ومؤشراً على الإنتصار النهائي لمنطق الحوار والديموقراطية على نزعة الحرب والاستبداد.
في ذاك الخطاب الذي أعلن فيه أن العيش بين الأنظمة التي تبرر الإرهاب والعنف ليس لصالح أحد بدا خاتمي أنه يباشر السياسة من باب الأخلاق والثقافة. يومها، وبعد ساعة من خطبته، ذهب الرئيس الإيراني إلى جامعة القديس يوسف (اليسوعية) في زيارة ثقافية.
بعد سبع سنوات وخمسة أشهر يأتي الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في زيارة رسمية، من الصعب تشبيهها، على أي وجه، بزيارة خاتمي، فالأخير كان يأمل في لبنان منبر حوار، أما الثاني فعلى الأرجح انه يعمل ليكون لبنان منصة صواريخ.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.