أنا سجين بيروت بقرار ذاتي. كل مشوار خارجها هو مغامرة محفوفة بالمخاطر. كل مغادرة من بيروت إلى أي اتجاه كان، الجبل أو الشمال أو الجنوب، هي رحلة اضطرارية غير مرغوبة لم نقدر على تفاديها. ذاك أني وأسرتي نشعر بأن هكذا رحلات مرهقة لنا نفسياً وبدنياً، طالما أن ما يجري على الطرقات والأوتوسترادات هو جنون لا ضابط له، بل هو أشبه بحرب موتورات وسباقات هستيرية بين شاحنات وباصات وسيارات ودراجات تتنافس على السرعات القصوى وعلى نهب الطريق بحركات بهلوانية وابراز اشد مهارات السواقة خطورة وتهوراً.
السواقة على تلك الطرقات هي معركة يخوضها كل سائق ضد كل السائقين، بالمعنى المرضي للكلمة. وكل سيارة تحمل الضغينة للسيارات الأخرى، وكل سائق يكن الكراهية لكل السائقين. بهذه الروحية القتالية يمكننا أن نرى كيف أن السائق ما أن يلحظ أن أحدهم قد سبقه إلى مقدمة الطريق، حتى يشعر بأن اهانة شخصية قد لحقت به، فيعمد فوراً إلى الرد بأن يلاحق الخصم مناوراً، مسرعاً، متجاوزاً كل القوانين (وهو لا يعرفها أصلاً) غير عابئ بكل المحاذير أو بشروط السلامة، مهدداً من يجاوره ومن هو أمامه، منطلقاً كصرخة حرب ميكانيكية. وسرعان ما تنتشر عدوى المبارزة على طول الطرقات والأوتوسترادات في مشهد خرافي مرعب ودائم.
في حلبة الموت المفتوحة هذه، كل سيارة تعتبر نفسها موكباً لشخصية مهمة على الجميع أن يتنحى جانباً لتمر هي. كل سائق يظن لنفسه الحق الحصري باستخدام الطريق وبتحديد السرعة المناسبة له وللآخرين، ويظن أيضاً بأنه صاحب مهارات هوليوودية في القيادة لا يجاريه فيها أحد، بل وأنه هو المحارب الاقدر والأشجع والأقوى.
ليس الشبان وحدهم من يظنون ان لديهم مناعة ضد الموت، وليس سائقو الفانات وحدهم هم المشاكسون والمتهورون، فالنسوة اللواتي شعرن لسنوات طويلة بأنهن مضطهدات وأنهن موضع استهزاء على الطرق، بسبب حذرهن المتأصل وخوفهن الطبيعي، باتت لديهن رغبة عارمة بـرد الاعتبار، وهن اللواتي درجت بينهن في الآونة الأخيرة موضة اقتناء السيارات الكبيرة ذات الدفع الرباعي (خصوصاً الثريات الجديدات منهن). فصرنا نلحظ كيف أنهن ايضاً يقدن بروح انتقامية وعدائية وبسرعات فائقة واندفاع بالغ تحقيقاً لـ مساواة على الطرقات مع اندادهن من الذكور المشتعلة فيهم حماسة المبارزة وروح التحدي.
انها بسيكولوجيا المعركة، وسلوكية الحرب الأهلية، تلك التي تسيطر على طرقاتنا، يمكننا أن نجري احصائية عن نسبة الشتائم المتبادلة بين السائقين في الكيلومتر الواحد، أو أن نحصي نسبة الصدامات في كل مئة متر. أو يمكننا أن نجري مقارنة بين نسبة الضحايا (الأموات والجرحى) في معركة برج أبي حيدر (وسببها أفضلية ركن سيارة!) التي استمرت زهاء اربع ساعات وشارك فيها عشرات المتقاتلين في منطقة مكتظة بالسكان، ونسبة الضحايا في حادث السير الذي وقع على الأوتوستراد الجنوبي يوم الثلاثاء الماضي، لنجد أن الحادث الذي وقع في ثوان معدودة حصد ضعف عدد الضحايا في معركة برج أبي حيدر التي طالت لساعات عدة.
حادثة الأوتوستراد الجنوبي لم تكن استثنائية، لكنها في وقائعها تشمل كل الدلائل التي تشير الى حالنا الحربية المرعبة على الطرق، فالشرطة، التي يجب ان تسهر على السلامة العامة، وبذكاء مفرط، أو بروح كيدية وثأرية نصبت كميناً فعلياً للسيارات، هو عبارة عن حاجز رادار السرعة. ولأن لا اشارات تحذيرية (كان يجب ان توضع قبل الحاجز) تحول هذا الكمين إلى مصيدة كبيرة لرتل من السيارات الموقوفة وسط الأوتوستراد. هذا الرتل المتوقف تحول بدوره إلى فخ مباغت لشاحنة مسرعة، فاجتاحت الجميع.
هذه الوقائع تبرهن مجدداً أن لا الشرطة تحترف دورها ولا السائقون يلتزمون أو حتى يعرفون قوانين السير ولا الطرق تستوفي شروط السلامة. ومع هذا المزيج من الفوضى والاهمال وسوء السلوك.. ينتشر الموت على الاسفلت، مازجاً المعدن بالأجساد، والوقود بالدم.
هذا وتختص كل طريق بأسلوب خاص من الحوادث. فالطرق الجبلية تمتاز بانعدام الانارة والمنعطفات الخالية من الحواجز الجانبية لتودي بالسيارات والشاحنات إلى الوديان. كما تمتاز بظاهرة الاعماء المباغت، ففي غياب الانارة العامة، غالباً ما يفاجأ السائق بسيارة مسرعة آتية من الاتجاه المعاكس بضوء مصابيحها الساطع ليصاب بعمى مباغت يحرفه عن الطريق نحو الكارثة. ويصاحب هذا الخطر دوماً تلك اللامبالاة التامة من قبل السائقين، الذين يظنون ان الأنانية (والوقاحة) من شروط النجاة في الحرب المرورية.
أما الأوتوستراد الممتد من شمال العاصمة فهو الأخطر ليلتي الجمعة والسبت، فهو أوتوستراد السكارى بامتياز، وأوتوستراد الشبان الساهرين الذين طوّحت الخمرة رؤوسهم، وها هم عائدون بعد منتصف الليل الى بيروت بسرعات جنونية وعيون زائغة ورؤوس متعتعة.
الأوتوستراد الجنوبي هو الأسوأ، فهو يضيق ويتسع في مواضع عدة بلا تمهيد ولا إشارات، بلا إنارة، تكثر فيه المداخل والمخارج والطرق الفرعية، والمشاة المتهورون الراكضون من ضفة إلى ضفة، مئات الفانات المسعورة في تنافسها مع بعضها البعض، الشاحنات الصغيرة المحملة بالبضائع فوق حمولتها القانونية، إضافة إلى أن عابريها يتفاجأون باستمرار بانحرافات فجائية في الاتجاه تودي بهم للانقضاض بعضهم على بعض.
كل من يأتي إلى لبنان ويجرب السواقة، أو يركب سيارة يصاب بالفزع وتدب فيه القشعريرة: كيف تعيشون على هذه الطرق يسألون. جوابي، أني لا أغادر سجني البيروتي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.